أحمد الفاضل
بفضل الله، ثم بفضل الرؤية الطموحة 2030، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، شهدت المنظومة العدلية في المملكة نقلة نوعية متميزة.
ومن تجليات هذه النقلة صدور نظام التنفيذ الجديد، حيث ان قضاء التنفيذ هو الكفة الثانية في ميزان العدالة؛ فالكفة الأولى هي الحكم، والكفة الثانية هي تنفيذه، وما استقام الميزان يوماً بكفة واحدة، وهو الثمرة المرجوة من غرس التقاضي الطويل. وحين يتعطل التنفيذ أو يتباطأ، تفقد الأحكام هيبتها، وتضطرب بيئة المال والأعمال. من هنا، كان لزاماً أن يتطور قضاء التنفيذ ليكون درعاً يحمي الحقوق، ومرآة تعكس نضج المنظومة العدلية وقدرتها على الموازنة بين حزم القانون ورحمة الإنسانية.
صدر نظام التنفيذ الجديد بموجب المرسوم الملكي رقم (م/ 237) بتاريخ 3-11-1447هـ (الموافق 20 أبريل 2026م)، ونُشر في الجريدة الرسمية «أم القرى» في 1 مايو 2026م. ويبدأ سريان العمل بالنظام بعد مضي 180 يوماً من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، أي أنه سيدخل حيز التنفيذ الفعلي في 28 أكتوبر 2026م.
يتكون النظام من أبواب رئيسية تغطي الاختصاص، والسند التنفيذي، وإجراءات التنفيذ، والإفصاح عن الأموال، والعقوبات، والأحكام الختامية. يأتي هذا النظام تنفيذاً لمستهدفات رؤية المملكة 2030 في تحديث المنظومة العدلية، ويمثل إعادة هندسة جذرية لقضاء التنفيذ الجبري، تنتقل به من آلية «التنفيذ على الشخص» إلى آلية «التنفيذ على المال» مع الحفاظ على التوازن بين حقوق الدائن والمدين وضمانات قضائية صارمة.
ويُعد من أبرز التحولات الجوهرية في النظام إلغاء الحبس التنفيذي في الالتزامات المالية المدنية والتجارية البحتة. لم يعد المدين المعسر يواجه قيداً على حريته الشخصية مقابل دين مالي؛ بل استُبدل ذلك بغرامة مالية يومية لا تتجاوز خمسة آلاف ريال تؤول إلى خزينة الدولة، إلى جانب صلاحيات واسعة لقاضي التنفيذ في تتبع الأصول والحجز عليها. هذا التحول ينسجم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان التي ترفض سجن المدين المعسر، ويؤكد مبدأ فصل الذمة المالية عن شخص المدين، مما يحمي كرامته الإنسانية دون إضعاف حق الدائن في استيفاء حقه.
ومن الإضافات البارزة التي تمنح النظام تميزاً واضحاً هو الإفصاح الكامل والتتبع الشامل في إلزام المنفذ ضده بالإفصاح الكامل عن أمواله وأصوله، مع منح قاضي التنفيذ صلاحية الاستعلام المباشر من الجهات الحكومية والمؤسسات المالية، وقد امتدت صلاحيات التتبع لتشمل أموال المدين لدى أقاربه أو شركائه لضمان عدم تهريب الأصول.
كذلك الحجز التحفظي المباشر حيث عزز النظام من صلاحيات الحجز التحفظي السريع على الحسابات البنكية، الأسهم، والعقارات، بالتنسيق المباشر والآلي مع البنك المركزي السعودي وهيئة السوق المالية، مما يسد ثغرات تهريب الأموال قبل صدور قرارات التنفيذ النهائية.
وفي خطوة تصحيحية هامة، وضع النظام حداً أقصى لقرار المنع من السفر بحيث لا يتجاوز ثلاث سنوات، مع ربط هذا الإجراء بحجم الدين ومدى وجود خطر حقيقي لتهريب الأموال، مما يمنع التعسف في استخدام هذا الإجراء كأداة ضغط غير مبررة.
واشترط النظام تسجيل الكمبيالات وسندات الأمر إلكترونياً عبر المنصات الوطنية المعتمدة (كمنصة «نافذ») لكي تكتسب الصفة التنفيذية، مما يعزز الموثوقية ويقلل من مخاطر التزوير.
كما حدد النظام مدة تقادم صارمة مدتها عشر سنوات من تاريخ استحقاق السند، تسقط بعدها صلاحية التنفيذ الجبري، وهو ما يكرس مبدأ الاستقرار القانوني ويمنع إحياء الديون القديمة.
ولضمان الردع بعد إلغاء الحبس المالي، رفع النظام سقف الغرامات الكلية لتصل إلى مليون ريال، وأقر عقوبات بالسجن تصل إلى 3 سنوات لمن يتهرب أو يخفي أمواله، وقد تصل إلى 15 سنة في حال تبديد أصول ضخمة أو الإضرار المتعمد بالدائنين، كما تم تجريم أي تهديد يطال مسؤولي التنفيذ.
أما آليات التسريع فقد جاءت واضحة وفعالة وهي إلزام الجهات الحكومية والمالية بتنفيذ أوامر المحكمة خلال ثلاثة أيام عمل فقط، واستحداث «التنفيذ العكسي» الذي يتيح للمدين المطالبة باسترداد حقوقه إذا نُفذ عليه خطأً أو سدد مبالغ زائدة. كذلك منح المدين مهلة معقولة لبيع أصوله بنفسه قبل البيع الجبري، مع استثناءات اجتماعية واضحة تحمي المسكن الأساسي والمعاشات والإعانات، وتُعطي الأولوية للتنفيذ الفوري لأحكام النفقة ورؤية الصغير وتسليمه. وأدمج النظام التقنية الحديثة والذكاء الاصطناعي في أتمتة الإجراءات، وأجاز إسناد بعض المهام غير القضائية إلى القطاع الخاص المرخص (مثل شركات تتبع الأصول).
تكمن قيمة هذا النظام في تحقيقه توازناً دقيقاً بين مصالح الأطراف. فهو يحمي الدائن من المماطلة عبر أدوات تتبع فعالة وردع مالي وقانوني، ويصون كرامة المدين المعسر ويمنع الإضرار بحياته اليومية، مما يعزز الثقة في بيئة الأعمال ويرفع كفاءة استيفاء الحقوق. كما يعكس التزاماً بحقوق الإنسان والعدالة الناجزة، ويُعد نقلة حضارية تتوافق مع التحول الرقمي الشامل.
ومع ذلك، لا تخلو العملية الإصلاحية من تحديات متوقعة عند التطبيق العملي، أبرزها:
تأخر صدور اللائحة التنفيذية التي ستفصل كثيراً من الإجراءات والضوابط قد يولد حالة من الغموض خلال الفترة الانتقالية، رغم أن النظام أمهل الجهات 180 يوماً لإصدارها.
كذلك تفعيل آليات الإفصاح والتتبع يتطلب بنية تحتية تقنية متكاملة وربطاً فورياً مع جميع الجهات، خاصة في مواجهة تحدي تعقب الأموال العابرة للحدود أو الأصول الرقمية (مثل العملات المشفرة) التي يسهل إخفاؤها.
ومع إلغاء الحبس المالي، سيبرز تحدٍ قضائي في التمييز السريع والدقيق بين المدين المعسر فعلياً والمدين المماطل الذي يتعمد إخفاء أمواله بأسماء وهمية. إثبات الإعسار سيتطلب جهداً مضاعفاً من محاكم التنفيذ لتجنب إرهاق القضاء بكثرة الطلبات.
وقد يثير سقف الغرامة اليومية (خمسة آلاف ريال) تساؤلات حول مدى كفايتها في ردع أصحاب الديون الضخمة، رغم رفع الغرامات الكلية. كما أن غياب اتفاقيات تعاون قضائي مع بعض الدول سيجعل من استرداد الأموال المهربة للخارج أمراً بالغ الصعوبة.
يحتاج النظام إلى تدريب مكثف للقضاة والكوادر التنفيذية لضمان توحيد الاجتهادات وتجنب أي تعسف قد يحصل في استخدام صلاحيات الاستعلام والحجز الواسعة الممنوحة لهم.
حتماً يُعد نظام التنفيذ الجديد إنجازاً تشريعياً نوعياً يعيد صياغة علاقة القضاء بالحقوق المالية على أسس حديثة وإنسانية. نجاحه مرهون بسرعة إصدار اللائحة التنفيذية وجودتها، وبتفعيل المنصات الرقمية، وبقدرة المنظومة على التكيف مع التحديات العملية. إذا ما تحقق ذلك، فإن النظام سيكون لبنة أساسية في بناء عدالة ناجزة تعزز الاستقرار الاقتصادي والثقة المجتمعية، وتؤكد التزام المملكة بتطوير منظومتها القضائية بما يواكب أرقى التجارب العالمية.