د. عيسى محمد العميري
تُعد الوحدة الوطنية من أهم الركائز التي قامت عليها دول الخليج العربي منذ نشأتها، فهي ليست مجرد شعار يُرفع في المناسبات، بل نهج راسخ أثبت قوته في مختلف المحطات التاريخية التي مرت بها البلاد.
وفي ظل التحديات والمتغيرات التي يشهدها العالم والمنطقة، تبرز أهمية التمسك بروح التلاحم والتكاتف بين أبناء المجتمع الخليجي باعتبارها السياج الحقيقي الذي يحمي الوطن ويحافظ على أمنه واستقراره. لقد أثبتت دول الخليج العربي عبر العقود أن قوة الدول لا تُقاس فقط بالإمكانات الاقتصادية أو العسكرية، بل بمدى تماسك جبهتها الداخلية وقدرة شعبها على تجاوز الخلافات والوقوف صفاً واحداً عند الأزمات. ومن يتأمل تاريخ دول الخليج العربي يجد أن الشعب الخليجي كان دائماً مثالاً في التكاتف والتعاون، سواء خلال المحن السياسية أو الأزمات الاقتصادية أو حتى في الظروف الاستثنائية التي شهدتها المنطقة. كانت الوحدة الوطنية دائماً العامل المشترك الذي منح البلاد القدرة على الصمود والاستمرار. وفي الوقت الحالي، تزداد الحاجة إلى تعزيز هذه الوحدة في ظل الانفتاح الإعلامي الكبير وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت أحياناً بيئة خصبة لنشر الشائعات أو إثارة النعرات والانقسامات. وهنا تظهر مسؤولية الجميع، من مؤسسات رسمية وإعلامية وتعليمية، إلى جانب الأفراد أنفسهم، في حماية النسيج الوطني من أي خطاب يسعى إلى بث الفرقة أو الكراهية بين أبناء المجتمع الواحد.
لا شك أن القيادة السياسية في دول الخليج العربي تدرك تماماً أهمية الحفاظ على الوحدة الوطنية، ولذلك كانت دائماً حريصة على ترسيخ قيم المواطنة والعدالة والمساواة بين الجميع، باعتبار أن الشعور بالانتماء الحقيقي للوطن يُبنى على أسس العدالة واحترام القانون وتكافؤ الفرص. كما أن القوانين التي تجرم خطاب الكراهية والتحريض جاءت لتؤكد أن أمن المجتمع الفكري والاجتماعي لا يقل أهمية عن أمنه الميداني.
ومن الجوانب المهمة أيضاً، أن الوحدة الوطنية تنعكس بشكل مباشر على التنمية والاستقرار الاقتصادي. فكلما كان المجتمع أكثر تماسكاً، كانت الدولة أكثر قدرة على جذب الاستثمارات وتنفيذ المشاريع وتحقيق التنمية المستدامة. كما أن المجتمعات المستقرة والمتماسكة تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات الخارجية والتعامل مع الأزمات بثقة ووعي.
تلعب الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام دوراً محورياً في غرس مفاهيم الوحدة الوطنية في نفوس الأجيال الجديدة، من خلال تعزيز ثقافة احترام الآخر، وترسيخ قيم التعاون والانتماء، والابتعاد عن كل ما يثير التعصب والانقسام. فبناء الأوطان لا يتحقق إلا بتكاتف الجميع وإيمانهم بأن مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
إن دول الخليج العربي اليوم بحاجة إلى استمرار هذه الروح الوطنية التي لطالما ميزت أبناءها، خاصة في ظل الظروف الإقليمية المتسارعة التي تحيط بالمنطقة. فالوحدة الوطنية ليست خياراً مؤقتاً، بل ضرورة دائمة لضمان الأمن والاستقرار وحماية مكتسبات الوطن. وعندما يكون الشعب موحداً خلف قيادته ووطنه، تصبح دول الخليج العربي قوية وقادرة على مواجهة التحديات وصناعة مستقبل أكثر إشراقاً للأجيال القادمة. الله احفظ خليجنا آمناً مطمئناً.
** **
- كاتب كويتي