د. أحمد محمود الخضري
تعد الصواريخ أحد أهم وأبرز الإنجازات الهندسية في المجال العسكري وكذا مجال علوم الفضاء التي غيرت وجه التاريخ الحديث، حيث تدمج بين القوة الميكانيكية الهائلة والذكاء التكنولوجي الدقيق.
ولو نظرنا إلى لفظ الصاروخ من الناحية اللغوية لوجدناه لفظاً عربياً أصيلاً، جاء بصيغة اسم الآلة على زنة (فَاعُول) نحو: حاسوب، ناقوس، ساطور، ويجمع على صواريخ، مشتق من مادة (ص ر خ) وهى مادة سامية مشتركة نجدها في كثير من اللغات السامية مثل: الحبشية، والعبرية والسريانية، والآشورية، وكلها بمعنى صَرَخَ.
وقد وضعت هذه المادة في أصل اللغة العربية للدلالة على الصوت الشديد المرتفع، يقول ابن فارس: «الصَّادُ وَالرَّاءُ وَالْخَاءُ أُصَيْلٌ يَدُلُّ عَلَى صَوْتٍ رَفِيعٍ» (مقاييس اللغة 3-348).
وبالبحث في المعجمات التراثية القديمة يظهر لنا أن لفظ (الصاروخ) لم يرد فيها ولم يعرفه علماء العربية القدامى، وإنما تردد ذكره في معجمات العصر الحديث ليدل على: قذيفة نارية اسطوانية الشكل مخروطية الرأس تقذف إلى مسافات بعيدة بتأثير انفجار أو اندفاع الغازات الناتجة عن احتراق الوقود في أسفل الأسطوانة، وقد تحمل مواد متفجرة كالقنابل أو سفنًا فضائية، فهو من الألفاظ المحدثة التي أقرها المجمع اللغوي بالقاهرة، وصفوة القول أن الصاروخ «كلمة عربية الأصل محدثة الدلالة» وهي مصوغة على بناء اسم الآلة (فاعول) واشتقاقها من الفعل صَرَخَ؛» لأن أبرز ما في هذه الآلة هو: انطلاقها بسرعة كبيرة، مع صوت شديد صارخ فكأنها آلة للصراخ»
وتستخدم الدول الصواريخ في أغراض متعددة منها:
الأغراض العسكرية.
أبحاث الغلاف الجوي.
إطلاق مجسات الاكتشاف والأقمار الصناعية.
السفر عبر الفضاء».
ولم تكن فكرة اختراع الصواريخ وإطلاقها وليدة السنوات الأخيرة بل إن جذورها تمتد إلى أزمان بعيدة، فقد مر الصاروخ بمراحل عدة حتى وصل إلى هيئته المتعارف عليها الآن.
ويعتقد العلماء أن الصينيين هم الذين اخترعوا الصواريخ و»أغلب الظن -كما يقول أحد المحدثين- أن هذه الصواريخ الصينية الأولى لم تكن صواريخ بالمعنى الدقيق، فلعلها كانت سهامًا بها رؤوس ملتهبة تطلق بواسطة الأقواس على الأعداء شأن كل سهام.
على أن القرن الثالث عشر لم يأت حتى كانت الصواريخ بمعناها المعروف، شائعة فيه وهذه الصواريخ الأولى قيل في وصفها بأنها عبارة عن «أنابيب تحشى بمسحوق البارود الأسود (خليط من النترات، ومسحوق الفحم النباتي، والكبريت)، تربط إلى السهام وفتحتها في اتجاه هو عكس اتجاه السهام، ثم يشعل المسحوق فتخرج منه الغازات التي تدفع بالسهم الناحية الأخرى، ناحية الأعداء، فرأس السهم وحده هو الجزء الجارح أو القاتل». (المُنْجِد في اللغة ص512).
هذا ما أوردته بعض المعجمات اللغوية كالمُنْجِد في مستهل تعريفه لمعني الصاروخ، وهو يوضح الصورة البدائية التي كان عليها، ثم ساق تعريفا آخر يوضح ما آل إليه الصاروخ في العصر الحديث من تطور في الشكل والاستخدام، ففسره بأنه عبارة عن : «أسطوانة ضخمة مخروطية الشكل، ذات جناحين صغيرين، يثبتانها في خط مجراها تسير على مبدأ الصاروخ الناري المتقدم ذكره، وتدار أحيانا بالرادار إلى المكان الذي يراد أن تسقط فيه».
ويُعَدُّ القرن العشرون العصر الذهبي للصاروخ؛ فقد شهد تطورًا ملحوظًا على يد فريق من العلماء والمخترعين على رأسهم الأمريكي روبرت جودارد، والذي يعد الرائد الحقيقي لعلم الصواريخ الحديثة، فقد نجح في إطلاق أول صاروخ عالمي يعمل بوقود سائل، وكان ذلك في عام 1926م، وفى الأربعينيات من هذا القرن احتلت ألمانيا مركز الصدارة في شئون الصواريخ، وكان من أثر ذلك ما كان في الحرب العالمية الثانية.
وفضلاً عن كون الصاروخ قذيفة تستخدم في الحروب فإنه أيضًا يوفر قوة دافعة للأقمار الصناعية، فقد أطلق الاتحاد السوفيتي (سابقا) في عام 1957م أول قمر صناعي (سبوتنك1) بواسطة صاروخ ذو ثلاث مراحل وكان ذلك بداية لما عرف بعصر الفضاء.
ومع تطور إنتاج الصواريخ تطورت أساليب توجيهها لإحكام بلوغها أهدافها ولذلك تسمى قذائف أو صواريخ للتفرقة بينها وبين القذائف أو الصواريخ غير الموجهة كما تطور إنتاج الصواريخ ذات الأبعاد المحدودة وأصبحت تستخدم عسكريًّا بدلاً من جميع أنواع المدافع وبذلك تقسم إلى أنواع هي: أرض - أرض، وأرض - جو، وجو - جو، وجو - أرض
ومن أقدم الشواهد التي وقفت عليها -فيما قرأت- الدَّالة على استعمال مصطلح الصاروخ بالمعنى العسكري في التراث العربي: قول ابن اياس (ت930هـ) في كتابه بدائع الزهور 2-447 «فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ دَوَرَانِ المَحْمَلِ، أَحْرَقَ السُّلْطَانُ نَفْطًا حَافِلًا بِالرَّمْلَةِ، وَكَانَتْ لَيْلَةً مَشْهُودَةً جِدًّا، فَطَارَ بَعْضُ الصَّوَارِيخِ عَلَى القَلْعَةِ، فَأَحْرَقَ سَقْفَ الإِصْطَبَلِ»
ومما تجدر الإشارة إليه والتنبيه عليه هو أن المعجمات اللغوية التي دُوِّنت في العصر العثماني مثل: الطراز الأول لابن معصوم المدني (ت1120هـ) وتاج العروس للزَّبِيدي (ت1205هـ) قد أهملت وأغفلت كلمة الصاروخ بوصفها آلة حربية وأداة عسكرية، فلم تذكرها بين طياتها، بالرغم من كونها مستعملة في ذلك العصر، ومما يؤيد ذلك أن بعض المصنفات التاريخية التي أُلِّفَت في هذا العصر كبدائع الزهور لابن اياس وغيرها قد نَصَّت عليه وذكرته.
لذا يمكن القول بأنه من الألفاظ التي ذكرتها كتب التاريخ وأهملتها المعجمات اللغوية التي دونت في العصر العثماني.
** **
- عضو هيئة تدريس بجامعة الأزهر