محمد الفايز
حين تُطرح احتمالات الحرب في المنطقة ينصرف الذهن مباشرة إلى صوت الصواريخ واتساع رقعة النار والخسائر العسكرية والاقتصادية لكن الأخطر من الحرب ذاتها أحيانًا هو المشروع الذي يسعى إلى جرّ المنطقة إلى الفوضى واستنزافها من الداخل.
ومن هنا تبدو قراءة مقال سمو الأمير تركي الفيصل وكأنها اختزالٌ للمشهد بين إيران وإسرائيل قراءةً قاصرة عن فهم عمق الرسالة السياسية فيه، فجوهر الطرح لا يقوم على تغييب العرب، بل على التحذير من أن تتحول المنطقة العربية إلى ساحة مفتوحة لمعارك الآخرين ومشروعاتهم.
ويبدو أن الكاتب الذي علّق على المقال لم يُحسن قراءته بقدر ما اندفع إلى قراءةٍ سطحية اختزل فيها الطرح كله، وكأن فهم السياسة يكون بالشعارات والانفعالات لا بقراءة توازنات المنطقة وتعقيداتها.
فعندما يقول إن المقال يصوّر المنطقة العربية وكأنها «فراغ بين مشروعين»، فهو يكشف قصورًا في فهم الرسالة الأساسية التي أراد سمو الأمير تركي الفيصل إيصالها لأن الحديث لم يكن يومًا عن غياب العرب بل عن وعيٍ عربي أدرك مبكرًا خطورة الانجرار إلى حروبٍ لا تخدم استقرار المنطقة ولا مصالح شعوبها.
ومن يفقه طبيعة المرحلة يدرك أن دول الخليج لم تكن متفرجة، بل كانت الأكثر وعيًا في حماية أوطانها من مشاريع الفوضى والتدخلات خصوصًا مع ما شهدته المنطقة من أذرع ووكلاء وخلايا نائمة ومحاولات مستمرة لجرّ المنطقة إلى صراعات تخدم أطماع الآخرين أكثر مما تخدم شعوبها.
كما أن أحداث ما سُمّي بـ«الربيع العربي» كشفت حجم التعقيد الذي كانت المنطقة تواجهه، وكيف تحولت بعض الدول إلى ساحات صراعٍ إقليمي ودولي دفعت شعوبها أثمانًا باهظة من أمنها واستقرارها ووحدة مجتمعاتها. ولهذا أدركت دول الخليج مبكرًا أن حماية دولهم ليست ترفًا سياسيًا بل ضرورة وجودية تحفظ الأوطان من الانهيار.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم ليس الحرب فقط بل نجاح أي طرف في جرّ الخليج والمنطقة العربية إلى مستنقع الفوضى والتدخلات والاستنزاف الطويل لأن الحروب تبدأ أحيانًا بشعار، لكنها تنتهي بأوطانٍ منهكة وشعوبٍ تدفع الفاتورة لعقود.
لقد اختارت السعودية ودول الخليج نهج الدولة ونهج العدالة ومنطق التوازن لا منطق المغامرة ولهذا بقيت أكثر الأطراف إدراكًا بأن أمن المنطقة لا يتحقق عبر الانجرار خلف مشاريع الآخرين بل عبر ترسيخ الاستقرار، وحماية الدولة الوطنية ومنع تحويل المنطقة إلى منصة تصفية حسابات.
وفي السياسة ليست الحكمة أن تدخل كل معركة بل أن تمنع وطنك من أن يكون ساحةً لها.