صالح الشادي
بين الحين والآخر، أجد نفسي منجذباً لمتابعة ذلك الجدل المحتدم بين الأطباء وخبراء التغذية وشركات الأدوية، كلٌّ يدافع عن قناعاته بشراسة، وكلٌّ يمتلك أدلته وبراهينه.
يحدث هذا بينما أقف أنا، المتابع البسيط، محاولاً أن ألملم شتات فهمي بين هذه الأصوات المتضاربة.
في خضم هذا الصخب، أجد يقيناً هادئاً يترسخ في أعماقي: أن الإنسان على نفسه بصير، وأن العاقل هو طبيب نفسه، لا يستغني عن العلم، لكنه لا يسلّم عقله وفطرته بالكامل لأي طرف.
لقد تأملت في خلق الله سبحانه وتعالى، كيف وهب أجسادنا، كما وهب أجساد سباعه وأنعامه وطيره وأسماكه، ميكانيزمات دفاعية عجيبة وفطرية ضد السموم والأمراض والعلل.
هذا الجسد ليس كتلة صماء، بل هو كيان ينبض بالحكمة، يهمس لنا بإشاراته، يوجعنا لنتجنب، ويشتاق لطعام بعينه لأنه يحتاجه.
الفطرة السليمة تهمس بأن تأكل حين تجوع، وتشرب حين تعطش، لا لأن ساعة حائط دقت، بل لأن جسدك ناداك. وتهمس أيضاً بأن تتجنب الأكل غير الطبيعي، ذاك المليء بالمواد الحافظة والمنكهات الصناعية والملونات الكيميائية التي صارت كالغرباء في أوطان أجسادنا. وإن كان هناك طعام يرفضه جسدك، لا تستسيغه رغم أن الكل يأكله، فاتركه فوراً. ثق بفلتر جسدك الداخلي، فما لم يناسبه ربما ضره، وإن ناسب غيره، فلكلٍّ بصمته الخاصة.
لقد عاش الملايين من البشر وماتوا عبر القرون، وهم يتعاملون مع هذه الفطرة في معيشتهم وغذائهم. كان الطعام بسيطاً، والماء صافياً، والجهد جسدياً، والقلب مطمئناً بقدر.
ثم جاء تدخل الإنسان التاجر في نسق الطبيعة، لا بدافع الشفقة على الصحة، بل طمعاً في الجذب وزيادة الدخل.
غيّر في تركيبة المأكل والمشرب، فاختل الإيقاع، وصار الغذاء داءً بعد أن كان شفاءً. دخلت أجوافنا أغذية غريبة لم تناسب تركيبنا الأصيل، فكانت ردة الفعل، وظهرت الأمراض التي نسميها اليوم بأسماء حديثة، متناسين أن جذورها ربما كانت في طبق الطعام المغدور. لكن الأمر لا يقف عند الطعام وحده.
فهناك داء آخر خفي، هو القلق والتوتر، وحمل هموم الرزق والدنيا.
ضعف اليقين، وقلة الصبر، وخفوت الإيمان في صدورنا، كل هذا صنع لدينا جهازاً عصبياً هشاً، ومناعة ضعيفة تستسلم سريعاً.
فالروح المضطربة تصنع جسداً مريضاً، مثلما تصنع التغذية الفاسدة، فالكل متصل ببعضه، والضرر متراكم.
لست بطبيب ولا عالم تغذية، ولست ممن يتحدثون بلسان الخبراء.
لكني قارئ، ومتأمل، وأنصح نفسي قبل غيري أن نعود إلى البوصلة التي لا تضل: إلى قول الخالق في دستور الحياة القرآن: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}، {وَلاَ تُسْرِفُواْ}.
إنها كلمتان تجمعان الحكمة كلها؛ طِيب الرزق بلا تدخل مفسد، واعتدال في الأكل بلا إسراف.
ثم يأتي الدواء الأعظم: أن نعمق إيماننا ونتصدق، فالصدقة تطفئ غضب الرب وتشفي الأسقام، والذكر يمنح الروح سكينة تجعل الجسد حصناً.
وأخيراً، حين نستمع لكل هؤلاء المجتهدين، خبراء وأطباء وشركات، لنذكر أنهم جميعاً يجتهدون ولا يملك أحد منهم الحقيقة المطلقة.
الشافي هو الله، واليقين في الفطرة التي فطرنا عليها، والاعتدال خير ما نتعبد به في مطعمنا ومشربنا وحياتنا كلها.