د.محمد بن عبدالرحمن البشر
لن أضيف جديدًا لو قلت إن الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج قد أثرت سلبًا على الاقتصاد العالمي، فهذا مشاهد ومعروف، وقد أشبعها المحللون تمحيصًا، لكن ما يمكن قوله إن ذلك التأثير قد غطى العالم أجمع، ولم يسبق للعالم ان تعرض لمثل هذا من قبل، إلا وقت جائحة كورونا، فلم يكن العالم في السابق قرية واحدة ولم تكن حاجة الأفراد مرتبطة بعضها ببعض، ففي العصور القديمة قبل مئات السنين كان كل جهة معينة أو مدينة صغيرة، أو مشيخة، أو جزيرة، أو مملكة من ممالك المدن، مستقلة بذاتها، تعيش من كد أبنائها، وتنتج ما تحتاجه من ضروريات الحياة من شرب ومأكل وملبس، وهو ما يحتاجه الفرد العادي آنذاك، أما الأثرياء، فقد يطمحون إلى نوع من الطيب، أو الملبس الخاص، وغير ذلك.
وطريق الحرير والتجارة البينية تحمل في معظمها سلعا ليس لتلبية ما يسد الرمق، إنما إضافات يستلذ بها البعض، مثل أنواع معينة من التوابل، أو اللباس، أو أواني الخزف، لكن الواحد منا اليوم لا يستطيع أن يعيش كما كان أسلافه، فضرورياته قد تغيرت واتسعت، مما يتطلب منه النظر إلى ما يجري في العالم بعين المترقب عما سيحدث، فالإنسان في أوروبا أو أمريكا مثلًا، يصعب عليه الاستغناء عن بعض العناصر النادرة الموجودة في وسط افريقيا، أو غابات الأمازون المطيرة، أو قلب الصحراء شديدة الحرارة، وما كان لأحد اليوم إلا ما ندر أن يستغني عن البلاستيك المصنوع من البتروكيمائيات، والذي يمر بتصنيع أدوات الحفر لاستخراج النفط، ثم تكريره ونقله، وتصنيعه بكل ما يتطلبه ذلك من خليط عجيب من مساهمات في مواده وتصنيعه من كل جهات العالم الفقير منها والغني، كما انه لا يستغني عن ثوب يلبسه وهذا إما يكون من الكتان، أو الصوف، أو البولستر، أو خليط من ذلك، وهذا أيضاً تشترك فيه دول، ومصانع وثقافات مختلفة، ومتباعدة، وربما متحاربه، وهكذا ما جرى من حرب نعيشها اليوم بين امريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وما تواجهه دول الخليج من اعتداء سافر من إيران عليها اكتوى بنارها العالم أجمع، كما أنها مثال ظاهر على أن العالم في حاجة إلى تنظيم جديد يتناسب مع واقع حال العالم اليوم، والتطور الذي يشهده العالم، والخشية أن تعمد بعض الدول على تأخير أي جديد مخافة تأثر جزء من نفوذها، والذي قد يحدث في المستقبل، والمهم تصحيح الوضع قبل أن يقع أمر قد لا يكون في صالح العالم أجمع، فيشرب البعض مرارًا من القذى، ويطعمون مما هو أمر من الصبر.
اليوم نعيش الحرب الأمريكية الإسرائيلية من جهة وإيران من جهة أخرى، كما نشهد اعتداءات متكررة من إيران على دول الخليج، وهذه حرب تختلف عن كل حرب، فهذه المنطقة تنتج أكثر من خُمس ما يحتاجه العالم من النفط، وهو سلعة لا يمكن الاستغناء عنها بأي حال من الأحوال، وهذه الحرب والاعتداءات التي حدثت جعلت العالم في مأزق كبير سواء فيما يخص التضخم، أو سلاسل الإمداد، أو أيضاً التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، وتخزين المعلومات الذي يحتاج إلى طاقة هائلة، وما من شك أن ذلك أثر على شعوب العالم، فالتضخم ستتضرر منه شعوب الدول الفقيرة بدرجة أكبر وأكثر إيلامًا من الدول الغنية، ومن سوء طالع أوروبا أن الحرب الروسية الأوكرانية مازالت قائمة، وأنهم في مقاطعتهم للنفط والغاز الروسي أصبح السحب من المخزون أكثر مما خطط له، وارتفعت أسعار الطاقة بشكل كبير، وزاد التضخم، وتأثرت كثير من المصانع، وانخفض معدل النمو في بعض من الدول، وربما بعضها يتراوح حول الصفر، والعالم الآن ينتظر أمرين انتهاء الحرب، وتصحيح النظام العالمي.