ميسون أبو بكر
عندما قرأت قبل أكثر من خمسة عشر عاما رواية ليلة واحدة في دبي للروائي السعودي هاني نقشبندي الذي رحل على دهشة من أحبابه وقرائه؛ شعرت برهبة بطلة روايته التي تشير إلى التحول السريع لدبي ونمو أبراجها كما الأشجار بسرعة، أشعر الآن وأنا الكاتبة بصحيفة ورقية ومقدمة البرامج لعشرين عاماً بقناة تلفزيونية تقليدية أشعر برهبة التحول السريع وزحام الذكاء الاصطناعي الذي يحاول اليوم أن يكون متصدراً حتى في الصحافة الورقية وسرعة نقل الخبر الذي اتكأت عليه قنوات إعلامية ومواقع إلكترونية وانتقلت العدوى للصحف أيضا، وكنت قاومت الكتابة الإلكترونية وإرسال البريد الإلكتروني عوضاً عن الفاكس والكتابة على الأجهزة الإلكترونية بدلاً من استخدام الورق والحبر لكنني أخيراً استسلمت وصار برنامجي البودكاست على قنوات إلكترونية ينتشر انتشار النار في الهشيم وتتابعه شريحة الشباب الذين يملكون اليوم مفاتيح العالم، فالشبكة العنكبوتية اليوم تصل للقرية الكونية حال ضغطت على لوحة -الكيبورد- في جهازك المحمول.
أمي تراجع تقاريرها الطبية والأخبار العالمية مع GPT، صديقتي تستشيره في أهم وجهاتها السياحية والمطاعم والأزياء المناسبة، ولدي يطلب منه ملخصا لخارطة طريق لمشروعه الجديد، كاتبة مبتدئة استعانت به لكتابة مقالاتها التي أصبح من السهل معرفة أنها كتبت بصياغة ماهرة من ،GPT وهذا ما ناقشته نائب رئيس عرب نيوز الأستاذة نور نقلي في الندوة التي أقامتها هيئة الصحافيين السعوديين في بيت الثقافة، وشاركها الرأي زملاء الجلسة حيث يجوز استخدام الذكاء الصناعي في الاستعانة بالأخبار، ولا يجوز أدبياً الاستعانة به في كتابة المقالات التي تعد بصمة للكاتب نفسه.
أصبح هذا العالم مقلقا لأن التواصل بين الناس صار قليلاً والعلاقات الاجتماعية تقلصت بسبب الانشغال بالهاتف والتواصل عبره أو عبر التطبيقات الإلكترونية؛ حتى إن بعض الندوات صار يدار على تطبيقات عن بعد.
مشاعرنا تصحرت، والكثير مصاب بالإحباط أو الاكتئاب أو العزلة، وقد فقدنا مهارات التواصل، حتى تلك الفلاتر والبرامج في وسائل التواصل غيرت ملامحنا الحقيقية؛ أرضتنا شيئاً ما ودغدغت مشاعرنا بصور محسنة لنا حتى أننا حين نلتقي الشخص لا نتعرف عليه، فالصورة لا تشبه الواقع.
رضينا ممارسة التزييف، شرب القهوة بعد أن تبرد لأننا انشغلنا بأخذ الصور للتباهي، ضيعنا اللحظات السعيدة لأننا منشغلون بنشر الصور وتجاهلنا الاستمتاع باللحظة.
في غرف مغلقة صنعنا رفقاء وهميين سواء من الشبكة العنكبوتية أو الصديق الساحر الذي لديه الحلول المطلع على ما وراء البحار والخلجان السيد GPT.
أنا لست ضد التقنية ولست ضد الذكاء الإصطناعي أبداً، لكن السؤال من يقود من؟ هل ما زلنا نتحكم به أم انزلقنا إلى دهاليزه طائعين.. مسيرين غير مخيرين؟!
وأين الذكاء الاصطناعي الذي يصنع الأسلحة والقنابل الذرية من صنع معجزات طبية لشفاء الأمراض المستعصية؟ وعمليات زرع شبكية تعيد البصر؟ أو خلايا عظمية مثلاً تسرع علاج الكسور، ثم معجزات لشفاء السرطان وغيرها من الأمراض التي عجز البشر عن اكتشافها! وإلى الآن النتائج مجرد وعود واختراعات لم تصل إلى نتيجة ولم تصادق عليها بعد هيئات الغذاء والدواء.
الذكاء الاصطناعي اليوم واقع لا محالة، وضرورة وإنجاز بشري يسابق الزمن ليحل محله مستقبلاً إنجاز آخر يضاهيه دهشة وتقدماً، ومهما كنا تقليديين أو جبناء من استخدام التقنية نحن منساقون لها وهي واقع لا خيار، ومن لم يركب قطارها فقد فاته، لكن خلاصة القول لا أريد أن أتخلص من إنسانيتي، لا أريد أن أكون آلة.. أو يتحكم بي ويسيرني ما كنت أنا سببا في اكتشافه وهو اليوم الذكاء الاصطناعي وربما في الغد مسمى آخر لإبداع بشري جديد.
أريد أن أحتفظ بروح الإنسان وفكره وإن سخرت التقنية لأستفيد منها ولخدمتي في كافة المجالات.
أجمل ما في الإنجاز البشري أن نحافظ على الحس الإنساني الفني الذي لا يمكن أن يكون تلقائياً وسلمياً دون أن يكون الإنسان هو الأساس.