صبحي شبانة
في عالمٍ يتبدّل بسرعة تفوق قدرة الكثيرين على المتابعة، لم تعد التحولات في عصرنا تُقاس فقط بما يحدث على الأرض، بل بما يتسرّب إلى العقول من تصورات وصور وسرديات، فالمشهد لم يعد بسيطًا كما كان، ولا الحقيقة صافية كما تبدو للوهلة الأولى، فبين حدثٍ يُروى وآخر يُعاد تفسيره، تتشكل دوائر جديدة من الوعي، وتُصاغ خرائط ومكائد غير مرئية تتحكم في اتجاهات الرأي العام أكثر مما تتحكم فيه الحقائق، وقد لفت الانتباه إلى أهمية مقاربة هذا التحول المتسارع نقاش فكري ثري، أضاء بعض ملامحه الفنان والإعلامي القدير الأستاذ أحمد المغلوث، في سياق طرحٍ يفتح الباب أمام التساؤل حول ما يجري خلف واجهة التدفق المعلوماتي الهائل، وكيف تُعاد برمجة الوعي الإنساني في زمن المنصات الرقمية.
في هذا العصر، لم تعد القوة محصورة في امتلاك المعلومة، بل في القدرة على إعادة توظيفها، وإعادة طرحها، وإلباسها سياقات مختلفة تجعلها مقبولة أو مثيرة أو حتى مُربكة، وهنا تحديدًا تتداخل السياسة بالإعلام بالتكنولوجيا، لتنتج لنا محتوى ملتبسا غامضا غير واضح المعالم ، يصعب فيه الفصل بين ما هو حقيقي وما هو مزيف، وبين ما هو عفوي وما هو مُوجَّه، إنها حقبة زمنية عالمية صعبة، تتقدم فيها أدوات التأثير بخطى أسرع من أدوات الفهم، ويصبح فيها الإنسان عرضة لفيضٍ هائل من الرسائل التي تتنازع انتباهه ووعيه وعقله في آنٍ واحد، وفي خضم هذا التدفق المعلوماتي، لم يعد السؤال ماذا يحدث؟، بقدر ما يصبح السؤال: كيف نرى ما يحدث؟ ومن يملك حق صياغة هذه الرواية وتلك الرؤية؟.
لم يعد العالم كما كان قبل عقدين من الزمن؛ فالتطور التكنولوجي المتسارع لم يُعد تشكيل الاقتصاد والسياسة فحسب، بل أعاد صياغة طبيعة وشكل الصراعات، فلم تعد الحروب تُخاض فقط على الحدود، أو في ميادين المعارك، بل انتقلت إلى فضاءات أرحب اتساعًا وأكثر تعقيدا، وعلى رأسها فضاء الوعي، وفي هذا الفضاء الجديد، لا تُستخدم فيه الأسلحة التقليدية، بل تستعمل أدوات أكثر دقة وتأثيرًا، تستهدف العقل البشري، وتعمل على إعادة تشكيله بما يخدم أجندات مغرضة معادية.
لقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها X (Twitter) وMeta، إلى منصات مفتوحة تتقاطع فيها المصالح والتوجهات، وتتصادم فيها السرديات، وتُدار فيها معارك غير مرئية، لكنها شديدة التأثير، وبينما يُنظر إلى هذه المنصات بوصفها أدوات للتواصل والتعبير، فإنها في الواقع أصبحت مسرحًا لعمليات منظمة تستهدف توجيه الرأي العام، والتأثير في المزاج الجمعي، وصناعة الانطباعات.
تشير دراسات متخصصة صادرة عن Oxford Internet Institute وStanford Internet Observatory إلى أن ما يُعرف بعمليات «التلاعب المعلوماتي» بات يشكل أحد أبرز أدوات القوة في العصر الحديث، هذه العمليات لا تقتصر على نشر الأخبار الزائفة، بل تمتد إلى بناء سرديات متكاملة، تُعاد صياغتها وترويجها عبر شبكات واسعة من الحسابات، بما يخلق واقعًا إدراكيًا موازٍيا للواقع الفعلي، وفي هذا السياق، برزت وحدات متخصصة في الحرب السيبرانية، من بينها وحدة 8200، التي تُعد نموذجًا لوحدات تعمل في مجال الاستخبارات الرقمية وتحليل البيانات، غير أن الإشارة إلى هذه الوحدة لا ينبغي أن يفهم بمعزل عن السياق الأوسع، إذ إن العديد من الدول باتت تمتلك قدرات مماثلة، وتستثمر في تطوير أدوات التأثير الرقمي، ضمن ما يُعرف بحروب الجيل الخامس، هذه الحروب لا تستهدف الأرض بقدر ما تستهدف الوعي و الإدراك والعقل، إنها تعمل على تفكيك البُنية الذهنية، وإعادة تشكيل المفاهيم، وزعزعة الثقة في الثوابت ومنظومات القيم المتوارثة، عبر أدوات تبدو في ظاهرها عفوية، لكنها في جوهرها مُصمَّمة بعناية، فالحملات الرقمية الحديثة لا تعتمد على الخطاب المباشر، أو الشعارات الصريحة، بل تُبنى على فهم عميق لسيكولوجيا الجمهور، وتستثمر في نقاط الضعف الثقافية والاجتماعية.
في العالم العربي، تزداد خطورة هذه الظاهرة نظرًا لطبيعة المجتمعات العربية، التي تستند إلى منظومة راسخة من القيم الدينية والثقافية، وتعدد القضايا الخلافية التي يمكن استغلالها، فالتباينات المذهبية، والتوترات السياسية، والنقاشات المرتبطة بالهوية، تُشكّل جميعها مداخل يمكن النفاذ منها إلى الوعي الجمعي، وإعادة تشكيله بما يخدم أهدافًا عدائية محددة تسعى الى التسلل خفية للتأثير على العقل الجمعي العربي.
ولا تقوم هذه الحملات- في الغالب بخلق الخلاف من العدم، بل تعتمد على تضخيمه وتوسيع نطاقه، فالخلاف المحدود قد يتحول، عبر تكرار الرسائل وتكثيف التفاعل، إلى حالة استقطاب حاد، يُخيّل للمتابع أنها تمثل المزاج العام، بينما هي في الحقيقة نتيجة هندسة رقمية دقيقة، ومن أبرز الأدوات المستخدمة في هذا السياق، إنشاء حسابات رقمية بواجهات محلية، تحمل أسماء عربية، وتستخدم لهجات مختلفة، وتتبنى مواقف تبدو مألوفة.
هذه الحسابات تُبنى تدريجيًا، حيث تبدأ بنشر محتوى عادي لكسب الثقة، قبل أن تنتقل إلى طرح رسائل أكثر حساسية، مستفيدة من التفاعل المتراكم، كما تلعب الخوارزميات دورًا محوريًا في تضخيم هذه الرسائل، إذ تميل إلى تعزيز المحتوى الذي يثير التفاعل، خاصة ذلك المرتبط بالغضب أو الاستفزاز، وهنا يتحول المستخدم دون أن يدرك إلى جزء من منظومة النشر، عبر إعادة التفاعل مع محتوى قد يكون موجّهًا ضده في الأصل ينساق خلفه وهو لا يدري.
ولا يمكن إغفال دور الذكاء الاصطناعي في هذا التحول، حيث بات يُستخدم في توليد المحتوى، وتحليل الاتجاهات، وتحديد الفئات المستهدفة، بل وحتى في محاكاة التفاعل البشري، هذه الأدوات تمنح الجهات القائمة على الحملات والمنظمة لها قدرة غير مسبوقة على الانتشار والتأثير، مع تقليل التكلفة والجهد، غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في وجود هذه الأدوات، بل في البيئة التي تستقبلها. فالمجتمعات التي تعاني من ضعف في الوعي الإعلامي، أو من انقسامات داخلية، تكون أكثر عرضة للتأثر، وأكثر قابلية لتبني السرديات الجاهزة.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية بناء مناعة وحصانة معرفية، تقوم على تعزيز التفكير النقدي، وتشجيع التحقق من المعلومات، وعدم الانجرار وراء الخطابات الانفعالية، فالمعركة اليوم لم تعد بين معلومة صحيحة وأخرى خاطئة فقط، بل بين سردية متماسكة وأخرى أكثر جاذبية، كما أن للمؤسسات الإعلامية دورًا محوريًا في هذه المواجهة، إذ يقع على عاتقها تقديم محتوى مهني رصين، يوازن بين سرعة النشر ودقة المعلومات، ويُسهم في تفكيك الخطابات المضللة بدلًا من إعادة إنتاجها، فالإعلام، في هذا السياق، ليس مجرد ناقل للأحداث، بل فاعل رئيس في تشكيل الوعي.
ولا يقل دور التعليم أهمية، حيث بات من الضروري إدماج مفاهيم التربية الإعلامية والوعي الرقمي في المناهج في مختلف المراحل الدراسية بدءا من سنوات الدراسة الأولية الى التعليم الجمعي، بما يُمكّن الأجيال الجديدة من التعامل مع الفضاء الرقمي بوعي ومسؤولية، فالمعرفة لم تعد تقتصر على المحتوى، بل تشمل أيضًا أدوات التحقق، وأساليب التحليل.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، لا يمكن إغفال البعد القيمي، إذ إن الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية يتطلب وعيًا متجددًا، قادرًا على التفاعل مع المتغيرات دون الانسياق وراءها، فالانفتاح على العالم لا يعني الذوبان فيه، كما أن الدفاع عن الهوية لا يعني الانغلاق.
إن حروب الوعي ليست ظاهرة عابرة، بل هي سمة أساسية من سمات العصر الرقمي، وهي لا تُدار فقط من قبل الدول، بل تشارك فيها أيضًا جماعات منظمة، وشركات، وهيئات، ودول، وحتى أفراد يمتلكون الأدوات والمهارات، وفي خضم هذا الواقع، يبقى السؤال الأهم: كيف نحافظ على منظومة قيمنا الدينية والعربية الاصيلة في عالم تتزاحم فيه السرديات؟، الإجابة تبدأ من الفرد، لكنها لا تنتهي عنده، إنها مسؤولية مشتركة، تتطلب تكامل الأدوار بين الأسرة، والتعليم، والإعلام، والمؤسسات، لقد أصبح الوعي هو خط الدفاع الأول، وربما الأخير، ومن يملك القدرة على تشكيله، يملك القدرة على توجيه بوصلة المستقبل.