سعدون مطلق السوارج
بالتزامن مع اليوم العالمي للمرور، يقدّم أسبوع المرور الخليجي الأربعون نموذجًا متقدمًا ينتقل من حملات التوعية إلى بناء وعيٍ مجتمعي مستدام يعيد صياغة سلوك الإنسان على الطريق
في لحظةٍ تتقاطع فيها الجهود العالمية مع الرؤية الخليجية، لا يعود المرور مجرد تنظيمٍ للحركة، بل مشروع وعيٍ متكامل، يُقاس به مستوى الانضباط الحضاري، وتُختبر من خلاله قدرة المجتمعات على تحويل القيم إلى سلوكٍ يومي يحمي الإنسان ويصون الحياة.
“لم يعد الطريق في الخليج مجرد مسارٍ للحركة، بل مساحة تُقاس بها درجة الوعي الحضاري.”
ليس الطريق مجرد مسارٍ من إسفلت، ولا إشاراتٍ ضوئية تُنظم الحركة، بل هو انعكاسٌ مباشر لوعي المجتمع، وانضباطه، وقدرته على تحويل القيم إلى ممارسة يومية. ومن هنا، يكتسب اليوم العالمي للمرور، الذي يوافق الرابع من مايو، معناه الأعمق، بوصفه لحظة مراجعة شاملة لعلاقة الإنسان بالطريق، لا باعتبارها علاقة عبور، بل علاقة مسؤولية.
وفي هذا السياق، يأتي أسبوع المرور الخليجي الموحد -الذي انطلق هذا العام في الثالث من مايو 2026 تحت شعار «اعبر بأمان»- ليؤكد أن دول مجلس التعاون لم تعد تتعامل مع السلامة المرورية كملفٍ خدمي، بل كقضية وعيٍ استراتيجي، تُدار بأدوات التثقيف، والتشريع، والتقنية، في آنٍ واحد.
اللافت في النسخة الأربعين من أسبوع المرور الخليجي، أنها لم تعد تكتفي برسائل التوعية التقليدية، بل انتقلت إلى مستوى أعمق: إعادة تشكيل السلوك المروري.
فاختيار شعار «اعبر بأمان» ليس اختيارًا عابرًا، بل يعكس تحوّلًا في زاوية النظر، من التركيز على قائد المركبة فقط، إلى إشراك المشاة بوصفهم طرفًا أصيلاً في معادلة السلامة.
هذا التحول يتجلى في الفعاليات المصاحبة، من معارض توعوية في مراكز التسوق في مختلف دول الخليج، إلى الحملات الميدانية والتفتيشية، التي لا تهدف إلى الردع فقط، بل إلى بناء وعيٍ تراكمي يجعل الالتزام خيارًا ذاتيًا، لا استجابةً مؤقتة.
وحين نعود إلى البدايات، نجد أن انطلاقة أسبوع المرور الخليجي في عام 1984 تحت شعار «استعمل حزام الأمان» كانت تعبيرًا عن مرحلة تأسيسية ركّزت على التوعية الأساسية. أما اليوم، وبعد أربعة عقود، فقد انتقلت دول الخليج إلى مرحلة أكثر نضجًا، لم يعد التحدي فيها توفير البنية التحتية أو سنّ القوانين، بل ترسيخ ثقافةٍ مروريةٍ مستدامة تواكب التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة.
وهنا يتقاطع البعد الخليجي مع البعد العربي، الذي بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي عبر أسبوع المرور العربي، ومع البعد العالمي الذي يتجسد في اليوم العالمي للمرور. هذا التقاطع يعكس إدراكًا متزايدًا بأن السلامة المرورية لم تعد شأنًا محليًا، بل قضية إنسانية عابرة للحدود.
وفي التجارب المتقدمة، يُقاس رقيّ المدن ليس فقط بجودة طرقها، بل بمدى التزام مستخدميها، والخليج اليوم، وهو يمضي بثقة في مسارات التنمية، يدرك أن الاستثمار الحقيقي في الطرق لا يكتمل إلا بالاستثمار في الإنسان.
“الطريق المنضبط لا تصنعه القوانين وحدها، بل يصنعه إنسانٌ يدرك أن احترامه للطريق هو احترامٌ للحياة.”
فالطريق المنضبط لا تصنعه الكاميرات الذكية وحدها، ولا القوانين الصارمة، بل يصنعه إنسانٌ يدرك أن تجاوزه لإشارة، أو إهماله لعبور المشاة، ليس مجرد مخالفة، بل إخلالٌ بمنظومة أمانٍ جماعية.
التحدي الحقيقي لا يكمن في أسبوعٍ توعوي، مهما بلغ تأثيره، بل في ما بعده. هل تتحول الرسائل إلى سلوك دائم؟ هل يصبح «اعبر بأمان» جزءًا من الوعي اليومي، لا شعارًا موسميًا؟
هنا تبرز أهمية التكامل بين المؤسسات: التعليم، والإعلام، والجهات الأمنية، والقطاع الخاص، لبناء ثقافة مرورية مستمرة، تبدأ من المدرسة، وتتكرس في الشارع، وتُعاد صياغتها عبر المنصات الإعلامية.
الخاتمة:
في النهاية، لا تُقاس الطرق بطولها ولا بكثافة الحركة عليها، بل بمدى قدرتها على حماية الإنسان. فالمدن قد تتشابه في بنيتها، لكنّها تختلف في وعي مستخدميها، وهنا تحديدًا يصنع الخليج فارقه الحقيقي.
«اعبر بأمان» لم تعد عبارةً توعوية، بل أصبحت تعبيرًا عن تحوّلٍ أعمق، تُعاد فيه صياغة العلاقة بين الإنسان والطريق، من مجرد عبورٍ عابر إلى التزامٍ أخلاقي يعكس احترام الحياة.
«لا تُقاس قوة الدول بما تبنيه من طرق، بل بما تحميه من أرواح».
وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، لا يكون قد نظّم المرور فحسب، بل يكون قد اقترب من تعريفٍ أدقّ للحضارة... حيث لا تُقاس قوة الدول بما تبنيه من طرق، بل بما تحميه من أرواح.
** **
- باحث في التراث الكويتي والخليجي