د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
(نوف)، هكذا بدون ألقاب، اسم الكتاب (1) الذي أبدعت إعداده الأستاذة القديرة الدكتورة نورة الشملان عن صاحبة السمو الملكي الأميرة نوف بنت عبدالعزيز، وفّقت الدكتورة نورة بتجريد الاسم في عنوان الكتاب إشارة مباشرة إلى أنَّ الاهتمام بشخصية (نوف) الإنسان، وكذلك جردت الدكتورة اسمها من اللقب العلمي ليكون الكتاب حديث إنسان عن إنسان، وتستوقفنا في العنوان هذه الضمة على النون التي جعلت الواو (واو مدّ) والصواب في النطق الفصيح أن تكون (حرف لين) أي فتحة فواو (نَوْف)، والناس اليوم يختلفون في نطق الاسم؛ فأكثر اللغات المحكية تنطق الفتحة ممالة نحو الضمة، وهذا لا صورة له في الرسم الإملائي العربي، والمصريون ينطقون الاسم بواو مدّ، وربما كان الخطّاط مصريًّا، وأما النطق الفصيح فتجده في محكية الوشم في نجد، وفي محكية بيروت اللبنانية.
جاء الكتاب في (307) صفحة من القطع الصغير فخف حمله على كفي القارئ، ونشر بإخراج طباعي متميز، أما غلافاه فكان لونهما أخضر كعلم بلادنا الحبيبة، وجاء اسم (نوف) مكتوبًا بخطّ الثلث سيّد خطوط العربية، وخُطّ الاسم بلون ذهبي يرمز إلى اتصاف (نوف) بصفات الذهب، أما اسم الدكتورة فكتب بخط النسخ الجميل، وجاء بلون أبيض معبرًا عن صفاء النية والسريرة في كتابة هذا الكتاب كما قالت «ولكنني أعاهد الله أن ما سأقدمه سيتحرر من المشاعر الخاصة ويعتمـد على الحقائق والشهادات التي وردتني والمعلومات التي استقيتها ممن قابلت وراسلت».
صدر الكتاب بإهداء ذكيّ بما يتصف به من العموم والشمول «إلى كل من عرف صاحبة السمو الملكي الأميرة نوف بنت عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ومن أحبها»، وجعل الكتاب في تمهيد وهو أقرب إلى المقدمة، وفي خمسة فصول.
وصفت المؤلفة الكتاب في التمهيد وبينت غرضًا من أغراضه «الكتاب الذي أضعه بين يدي القارئ الكريم هو وقفات سريعة عند شخصية استثنائية، أسعى إلى جعل سلوكها نبراسًا للأجيال القادمة التي ضعفت فيها بعض القيم العربية الأصيلة بفعل وسائل التواصل الاجتماعي، والتطور الحضاري والتأثر بالثقافات الأخرى». وأهم من ذلك تخلي الأسر قليلًا في تربية الأبناء للمدرسة والتلفاز والعاملات، كان أجدادنا يعلّمون الصغار أصول المخاطبة واحترام من هم أكبر منهم، فهناك لغة خطاب متوارثة، ولكن الأجيال التي تلتهم ألهتهم حياتهم وإيقاعها السريع عن ذلك. وتبرز المؤلفة الباعث على التأليف «ومما دفعني إلى التفكير في تأليف هذا الكتاب إعجابي بها أولًا، ومحبتي الصادقة لها ثانيًا، وعندما يتعانق الإعجاب بالمحبة والاحترام تتغلب العاطفة على الحقيقة».
أعملت المؤلفة القديرة ما ثقفته من منهج البحث الأدبي فاتخذت من المسح الاستقرائي منهجًا معتمدًا على الوجادة والمشافهة والمراسلة، ولما اجتمع لها قدر صالح استطاعت بيد صناع أن تحكم لنا هذا الكتاب بفصوله الخمسة.
لا تظهر عنوانات الفصول في صفحات الفواصل، وكان أولى، بل تظهر كلمة الفصل وتحته بيت شعري مختار من شعر المتنبي، والدكتورة أستاذ الأدب القديم في جامعة الملك سعود من خير من عرف المتنبي وشعره، والبيت المختار يوحي بمضمون الفصل أو هو منه بسبب، فالفصل الأول قول المتنبي:
وَلَو كَانَ النِّسَاءُ كَمَنْ فَقَدْنَا
لَفُضِّلَتِ النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ
وعنوان هذا الفصل (نوف منذ المولد والنسب والنشأة) وهو «حديث عن والدتها ووالدها وإخوانها وأخواتها وأبنائها وبناتها وأحفادها وبعض أخبارها».
وفي الفصل الثاني، قول المتنبي:
فوا أسفا ألّا أكب مقبلًا لرأسكِ والصدر الذي ملئا حزما
الصواب (اللّذَيْ)، قال أبو العلاء في «معجز أحمد» (ص263): «أراد باللّذَيْ: اللّذَيْنِ، فحذف النون لطول الاسم». وعنوان هذا الفصل (بداية المعرفة وتطوّرها) و»يتناول مراحل علاقة المؤلفة بالأميرة نوف، ووصفًا لحياتها، وعلاقاتها العامة ورحلاتها».
وفي الفصل الثالث قول المتنبي:
كَالبَدرِ مِن حَيثُ التَفَتَّ
رَأَيْتَهُ يُهْدِي إِلى عَيْنَيْكَ نُورًا ثاقبا
وعنوانه (السمات البارزة في شخصية نوف بنت عبدالعزيز) وهو عن «السمات الشخصية للأميرة مأخوذة من شهادات من تم التواصل معهم وأهمها: الكرم، التواضع، المرح، التلقائية والبعد عن التصنع، حب العلم والتشجيع عليه، إنكار الذات، وعلاقاتها الخارجية، علاقاتها بالأحفاد، علاقاتها بالجيران، اهتمامها بالشأن العام، ذوقها في الملبس والمأكل، تجسيدها للتكافل الاجتماعي، مزاجها العام، وغيرها من الصفات التي لازمتها طول حياتها، وتحليلًا لهذه الصفات».
وفي الفصل الرابع قول المتنبي:
فليت طالعة الشمسين غائبة
وليت غائبة الشمسين لم تغب
وعنوانه (رسائل المحبة ودلائل الألفة) وهو واسطة عقد الكتاب (273) صفحة، وهو «يرصد رسائل الوفاء والمحبة الموجهة للأميرة نوف». وكأن بيت المتنبي يزوي تمني هؤلاء المرسلين.
وفي الفصل الخامس قول المتنبي:
وَما الدهرُ إلا من رواة قصائدي
إذا قلتُ شعرًا أصبَحَ الدَهرُ مُنشدًا
وعنوانه (قصائد نظمت في نوف)، وهو «يضم ما قيل فيها من شعر، ونموذجًا واحدًا من الكلمات التي كانت تلقيها في الجنادرية».
جاء الفهرس، والمقصود به المحتويات، في آخر الكتاب وكان يجدر به أن تكون في أول الكتاب، وهو بشكله الذي ظهر غير مفيد جدًّا؛ لأنه اكتفى بتعيين صفحات الفصول من خير بيان لعنواناتها ولا عنوانات المشاركات في الفصل الرابع، وعلى من يريد قراءة مشاركته أن يتصفح الكتاب بحثًا عنها.
لا جدال أن الكتاب يفصح عن جهد عظيم استطاع أن يبرز جوانب شخصية عظيمة هي (نوف بنت عبدالعزيز).
تحية وشكر لأختنا الدكتورة نورة الشملان.
**__**__**__**__**__**
(1) نشرت الكتاب دار كلمات للنشر والتوزيع / الرياض، 2026م.