أ.د. محمد بن عبدالعزيز العميريني
يُعدّ النحو العربي أحد أهمّ المكونات الأساسية في تكوين الملكة اللغوية لدى الدارسين، لما له من تأثير مباشر في ضبط اللسان وفهم النصوص واستيعاب البنية العميقة للغة العربية، غير أنّ واقع تدريسه في الجامعات العربية يثير جملة من الإشكالات المعرفية، حيث تأرجح هذا الواقع بين تعقيد نظري موروث يعتمد على جمود الطرائق التقليدية التي تركز على الحفظ والتلقين أكثر من الفهم والاستيعاب النموذجي، وضعف ارتباط القواعد النحوية والنماذج التطبيقية بالاستخدام اللغوي الواقعي في حياة الطلبة الأكاديمية واليومية ،أدى هذا التباين إلى فجوة بين ما يُدرَّس من قواعد وما يُكتسب فعلياً من مهارات، الأمر الذي يستدعي إعادة نظر جذرية في فلسفة تعليم النحو وطرائقه.
ويكشف حضور تعليم النحو في الجامعات عن مفارقة لافتة: توسّع في البناء النظري يقابله انكماش في القدرة التطبيقية لدى المتعلمين، فطالب اللغة العربية، والمتخصص فيها قد يلمّ بتفاصيل دقيقة في أبواب النحو، لكنه يعجز عن إنتاج جملة سليمة أو تحليل نص تحليلاً وظيفياً متماسكاً، والنتيجة المباشرة: هناك متعلم يمتلك (وهم المعرفة النحوية)، دون أن يمتلك القدرة على إنتاج خطاب سليم، هذه المفارقة ليست عرضاً عابراً، بل نتيجة بنية تعليمية متراكمة تستدعي قراءة نقدية تتجاوز التشخيص السطحي إلى مساءلة الأسس المعرفية والتربوية التي يقوم عليها تدريس النحو في الجامعات.
ولتحليل هذه المشكلة دعنا نعود لفكرة نشأة النحو العربي في القرن الهجري الأول، إذ لا يمكن فهم التعقيد في تدريس النحو دون العودة إلى طبيعة التأسيس النحوي نفسه، فقد نشأ النحو العربي في سياق تقعيدي صارم (احترازي)، هدفه صون اللغة من اللحن، فاعتمد على منهج الاستقراء الجزئي (الناقص) والتجريد المحكم، مع ميل واضح إلى تفسير الشواهد، وتعليل الظواهر المختلفة، ونظمها في قانون واحد، ولم تكن الغاية حينها تمكين الاستعمال.
هذا الأمر دفع بالنحو العربي إلى أن يكون تمريناً ذهنياً (معيارياً)، أقرب إلى الجدل، منه إلى الممارسة اللغوية، كما شاب ذلك الوقت ميل واضح إلى الحديث الاصطلاحي (العامل، والمعمول، والعلة، والقياس، وتأويل النص المخالف)، دون وعي دقيق بوظائفها الإجرائية في فهم النص، واستيعاب أركان السياق، ودلالات المعنى.
ليست تلك المشكلة، وليست معضلتنا في تراثنا النحوي نفسه، فلكل علم إرهاصات نشأة، وأحاديث تأسيس تختلف باختلاف الأغراض والتوجهات، بل في نقله إلى سياق تعليمي معاصر دون إعادة تكييفه و(تفكيكه)، فيُدرَّس بوصفه معرفة نهائية لا بوصفه مادة قابلة لإعادة البناء، وكأن (المتعلم) المعاصر هو نفسه المتعلم القديم.
تتجلى الأزمة الحقيقية إذن في الفجوة بين (معرفة القاعدة)، و(القدرة على توظيفها)، فالطالب-مثلاً- يتلقى القاعدة في صورة مجردة، غالبًا منفصلة عن سياقها التداولي، فهو يعرف أن (نائب الفاعل مرفوع) و(المفعول منصوب)، لكنه لا يدرك كيف يُبنى المعنى عبر هذا التركيب داخل خطاب مباشر، ولهذا يقع غالباً في أخطاء في الإعراب، واضطراب في تركيب الجملة، وضعف في استعمال الروابط بين المكونات، أي أنه رغم معرفته النظرية لم يصل إلى مرحلة (الأتمتة)، أو (المهارة) في التطبيق، وهذا ليس قصوراً فردياً، بل نتيجة مباشرة لنمط تعليم يفصل بين القاعدة وسياقها التداولي والواقعي.
وربما يعود الخلل-في نظري- إلى اضطرابٍ في النموذج المعرفي الذي لا يكمن فقط في (ماذا نُدرّس)، بل في (كيف نُدرّس)، ومن واقع تجربتي التعليمية فالتدريس الجامعي لا زال يعتمد إلى حد كبير على الإلقاء، حيث يحتكر الأستاذ إنتاج المعرفة، بينما يُختزل أثر الطالب في التلقي والتدوين، وهذا العمل لا يسمح ببناء أي مهارات إجرائية، أو تحقيق تقدم في جانب القدرة على الصياغة والاستعمال الواقعي دون (هيبة) الوقوع في الخطأ واللحن.
ومعضلة لا تقل أهمية عن سابقتها، الواقع يشهد بأن النحو يُدرّس بوصفه مقرراً مستقلاً، منفصلاً عن الكتابة والقراءة والتحليل النصي، رغم أنّ وظيفته الأصلية هي خدمة هذه المهارات، كما أن الحصص الدراسية تُستنزف في تتبع الجزئيات النادرة، والخلافات المذهبية، والاستثناءات الدقيقة، وتحليل الأمثلة والأمثال العربية القديمة، وشرح الشواهد الغريبة، والأقوال الفلسفية البعيدة عن جوهر اللغة، بينما تُهمل البنى الأكثر حضورًا في الاستعمال، و-هنا- يظهر الخلل بوضوح: ما يُدرَّس ليس ما يحتاجه المتعلم، بل ما يفرضه منطق العلم.
وربما يُشكل غياب الصور التطبيقية المتنوعة سلوكاً مؤثراً في الفهم والاستيعاب، فالتطبيق -إن وُجد-يأتي في صورة تمارين نمطية (مكررة) مأخوذة بنصها وأمثلتها من كتب قديمة، أو مواقع مختلفة منفصلة عن الواقع، لا في صورة مهام لغوية حقيقية (كتابة نص، أو تحليل خطاب، أو معالجة ظواهر وأخطاء كتابية واقعية)، وهذا النوع من التطبيق لا ينقل المعرفة من المستوى النظري إلى المستوى الوظيفي الذي يُحسّن من مستوى الطالب.
لا بد إذن من إعادة النظر في تدريس النحو العربي، وطرائق تقديمه للطلاب، ومحاولة تسهيله وتيسيره دون إخلال بمنظومته وجوهره، وهذا لا يمكن أن يتحقق من خلال حلول جزئية، بل يتطلب إعادة بناء شاملة للرؤية التي تحكم تدريس النحو، وأن يُدرَّس في سياق الاستعمال، لا في عزلة عن مهارات اللغة الأخرى، فالقاعدة النحوية ينبغي أن تُكتسب من خلال توظيفها في القراءة والكتابة واستيعاب النصوص، والإلقاء، لا من خلال حفظها مجردة، كما يُنظر في المحتوى النحوي ويُعاد تنظيمه، بالتركيز على البنى الأساسية والعلاقات التركيبية الأكثر حضوراً، والتخلي عن التضخم غير الوظيفي، والبعد عن الموضوعات النحوية التي لا تهم المتعلم، وحضورها في الاستعمال العربي قليل أو نادر، فالمعرفة لا تُقاس بكثرتها، وإنما في قابليتها للاستعمال، وينبغي أن يُعتمد في تقييم الطالب واختباره في قدرته على إنتاج نصوص سليمة، وتحليل تراكيب حقيقية، وتوظيف القواعد في سياق تواصلي، وليس في أسئلة مجردة تتجه نحو القواعد وفلسفتها.
وأخيراً.. تسهيل النحو واستبعاد ما لا يحتاجه المتعلم (المعاصر)، لا يُعد هدماً أو إقصاءً لتراثنا النحوي، فهناك فرق بين حفظ المعرفة، وإعادة إنتاجها وفق متطلبات التعليم، والوفاء الحقيقي للتراث يقتضي إعادة قراءته، وتحويله من سياق معرفي مغلق إلى مورد تعليمي واضح وميسّر، يعتمد على الانتقاء الواعي، والتدرج المنهجي، والتعليم القائم على الفهم والتطبيق.