د. منى بنت صالح الحضيف
لم يكن الأدب في لحظة من لحظاته مجرد ترف فكري، أو حكايا تُنسج للتسلية، وإن كان القاص يُبحر في سرد الحكايا التي يختارها، بين حكايا المجتمع وهمومه التي أثقلت على قلوب أصحابها، وبين حكايا مرَّ حديثها على مسامع الزمن، وأراد أن يحفر أحداثها على الورق حتى لا تغيب معالمها بنسيان تلك القصص من روايات نُسِجت من الثقافة والتراث حتى أصبحت ملمحًا مرتبطًا بالمكان والزمان، فيُعيد القاص نقلها ونسجها من خيوط خياله.
لكن ذلك يطرح سؤالًا: كيف عبَّر الأدب عن الهوية والروح القلقة في تحولات الحياة بلغة تتجاوز الظاهر إلى ما هو أبعد، وما هو غائب عن البصر؟ حينما يبحث الأدب في رحلته السردية عن إجابات لتساؤلات يطرحها العقل البشري في تأملاته بحثًا عن المعنى، حول الوجود والفناء.. والرحيل والبقاء.. وما بعده؟
هنا تنكشف لنا أسرار الحكايا، وبوح القاص، وأستار ما وراء السرد، حينما تتقاطع الأسئلة الوجودية مع التجربة البشرية، وصراع الروح والجسد، فيوقظ وميض الفلسفة بعمق التفكير، مُبتعدًا عن خطوط الحياة الظاهرة لما خلف الطبيعة في نظرة فلسفية تحاول الإجابة عن أسئلة تحيّر العقل البشري، لما وراء الطبيعة، أو ما نسميها الميتافيزيقا، وهو علم فلسفي، يبحث في جوهر الوجود، وماهية الروح وعلاقتها بالجسد، وعن مبادئ الكون وهوية الإنسان والغاية من الحياة، وكل ما يُقلق الإنسان من التفاصيل التي لا تكون منكشفة له، من الغيبيات، والخرافات، وحكايا الجن، فالعقل البشري لا يقف أبدًا عند حدود ما يقع عليه بصره.
نعود للحكاية، وحضور الفلسفة أو (الميتافيزيقيا) تحديدًا في النص الأدبي، فما يميز الرواية سردها الطويل وتتابع أحداثها، بشخصيات متنوعة تحكي تفاصيل الحكاية بين حقيقة تنقل خبايا الواقع، أو خيال يسرح معه القاص إلى عالم آخر يحاول من خلاله الإجابة عن تساؤلات تشغل ذهنه، أو تأملات يُحَلِّق معها فكره؛ لذا تجد فلسفة الأديب في الرواية مساحة واسعة لتطرح تساؤلاتها، وتبحث من خلالها عن الإجابات التي تخفى عن العين. فالميتافيزيقيا ليست خطابًا فلسفيًا جاهزًا، بل تأتي ضمنية داخل السرد.
وفي حديثنا عن الميتافيزيقا لابد أن نقف عند العلاقة بين الميتافيزيقيا والأدب العجائبي؛ فالعجائبي كما عرّفه تودوروف تردد القارئ، متوحدًا بشخصية خاصة، فالأدب العجائبي يصور القضايا الميتافيزيقية، بحثًا عن خفايا الوجود، ومحولًا النظريات الفلسفية إلى مشاهد تصويرية يعيشها القارئ. لذا فإن ما يُكتب من روايات في الميتافيزيقيا يندرج في الأدب العجائبي؛ إذ لا يقدم أفكارًا فلسفية صريحة، بل يطرح تساؤلاته عبر الأحداث والشخصيات، فيكون حاضرًا عبر البُنى الرمزية كأن يرمز المكان إلى القدر، أو الذاكرة، أو أن تتمثل الشخصية بفكرة الضياع والشتات، فيندرج فيه تشتت الوعي البشري مثل رواية (العصفورية)، والانفصال عن الواقع، والتجربة الصوفية كما في رواية (موت صغير) لمحمد حسن علوان، وقد يظهر في اضطراب الوعي، كالعيش بين الواقع والحلم، وطرح أسئلة عن الذات من أنا؟ لمَ أنا موجود؟ مما يفتح أفق الأسئلة الوجودية: ما معنى الحياة؟ ما الحرية؟ ما المصير؟ ماذا بعد الموت؟ هل تتواصل الأرواح مع الأحياء؟ ومع كل هذا الطرح وهذه التساؤلات لا يهرب الكاتب إلى الخيال المجرد، بل يبقى متصلًا بالواقع والمجتمع، بالتاريخ والثقافة.
وقد أبحر الأدب السعودي في الميتافيزيقيا ولعل أشهر من كتب فيها الأديب المبدع غازي القصيبي فنجد في رواياته صراع الهوية الفكرية والتحولات الإيديولوجية مثل (شقة الحرية)، و(العصفورية) التي جالت بين العقل والجنون وانهيار الحقيقة، وأيضًا ما نجده عند رجاء عالم في روايتها (طوق الحمام)، وكيف صورت المدينة لتجعل منها ذاكرة حية وكان روحي، ورواية (موت صغير) لمحمد علوان وما تحمله من أبعاد صوفية والبحث عن الحقيقة، وفكرة الفناء والبقاء.
وقد يتصور باضطراب الوعي مثل ما نجده في بعض روايات يوسف المحيميد، التي تكشف وعيًا غير مستقر. ومنه ما يفتح أفق الأسئلة الوجودية حول الأرواح وما بعد الموت كما في رواية (روح الصعود إلى السماء) لمحمد الماضي ورحلة البحث عن تساؤلات العقل البشري عن الحياة بعد الموت، بين حياة البرزخ، وتواصل الأرواح. وقد تكون الميتافيزيقيا رمزية تحول المكان إلى كيان دلالي يملك حضورًا حيًا، فيحمل معنى يؤثر في الشخصيات كما في رواية (ترمي بشرر) لعبده خال في تحول القصر إلى عالم مغلق يرمز للسلطة والقدر.
إن الكتابة الأدبية تكشف روح الكاتب وعمق فلسفته، وثقافته من أسلوبه القصصي، وطريقة سرده للحكايا، ومستوى توظيف الخيال، فالكتابة الروائية ليست مجرد سرد لأحداث قصة، بل هي رحلة ثقافية لنسج الحكاية، تحمل الكثير من المضامين المختلفة، لذا نجد القاص يُحلق في فضاء الميتافيزيقا، محاولًا الكشف عن بعض الخفايا التي تُثير تساؤلات العقل البشري، والبحث عن أسرار ما وراء الطبيعة، أو لنقل البحث عن خفايا الحقائق التي تمر بالإنسان دون أن يعرف كيف تنشأ؟ أو كيف تحديث؟ وماذا إن حدثت؟ محاولًا تصويرها لتكون المشاعر، والخبايا، واقعًا مرئيًا، وملموسًا، مشكلّة صوت الكاتب وهويته، بناءً على نظريته للإنسان والعالم وما بعد الرحيل، وهو ما تتمحور العجائبية حوله؛ إذ يعتمد على تكهناته العقلية الخاصة لبعض أمور الحياة التي يقف عندها العقل البشري، مازجًا العقل بالعاطفة، وجامعًا بين الحقيقة والخيال، فيخوض في الشعور الإنساني، مُجسدًا تلك الظواهر في أحداث الرواية.
إن الميتافيزيقا رحلة ثقافية أدبية تكشف لنا أسرار الحكايا، وتأملات العقل، وصراعاته الوجودية ليوقظ وميض الفلسفة بعمق التفكير، مبتعدًا عن خطوط الحياة الظاهرة لما خلف الطبيعة.