د.زكية محمد العتيبي
ليس كلُّ مَن يجرّب الأشياء يعيشها فعلًا؛ فهناك فرقٌ شاسع بين إنسانٍ يخوض التجربة بدافع الفضول والمعرفة واتّساع الروح، وآخر يدخلها فقط لأنّ الآخرين سبقوه إليها.
الأوّل يبحث عن معنى يضيفه إلى ذاته، أما الثاني فيبحث عن مكانٍ داخل المشهد، حتى لو كان الثمن أن يفقد صوته الخاص وسط الضجيج.
في زمن المنصات، تغيّر معنى التجربة نفسها، فلم تَعُد الأشياء تُختبر لأنها تُشبهنا، بل لأنّها رائجة، متداولة، قابلة للعرض والتوثيق.
صار كثير من الناس يعيشون تحت ضغطٍ خفيّ اسمه: (حتى لا يفوتني شيء) ولذلك نشهد هذا التهافت الجماعي على كل جديد؛ الأماكن نفسها، الطقوس نفسها، العبارات نفسها، وحتى الانفعالات نفسها، كأن العالم يُعاد إنتاجه بنسخةٍ واحدة تتكرّر على الجميع.
المشكلة هنا ليست في التجربة ذاتها، بل في الدافع إليها.
فالإنسان بطبيعته يتعلّم بالمحاكاة، ويكتشف أحيانًا ميوله من خلال ما يراه عند الآخرين؛ فلا أحد يبدأ حياته مستقلًا تمامًا عن محيطه، إلا أنّ الفرق الحقيقي يظهر بعد البداية: هل يدخل الإنسان التجربة؛ ليكتشف ذاته، أم يدخلها فقط حتى لا يبدو متأخرًا عن الآخرين؟
حين تصبح الحياة سباقًا اجتماعيًا، يفقد الإنسان قدرته على الإصغاء إلى رغباته الحقيقية. وكأنّ السؤال الأهم ليس: (ماذا أريد؟) بل: (كيف سأبدو إن لم أفعل ذلك؟) وهنا يبدأ الاستنزاف الصامت؛ لأنّ الإنسان لا يعود منشغلًا بالمعنى، بل بالصورة؛ لا يقيس حياته بما يشعر به، بل بما يظن أن الآخرين سيرونه به.
لهذا يبدو كثيرٌ من البشر اليوم متشابهين بصورةٍ مقلقة؛ يجرّبون الأشياء نفسها، ويسافرون إلى الأماكن نفسها، ثم يشعرون -رغم كل هذا الزخم- بفراغٍ داخليّ غامض؛ ذلك لأن التجارب التي تُبنى على المقارنة لا تمنح صاحبها شبعًا حقيقيًا؛ فالمنافسة مع الآخرين لا نهاية لها؛ فكلما وصل الإنسان إلى شيء وجد من سبقه إلى شيءٍ آخر، فيظلّ يركض دون أن يعرف لماذا يركض أصلًا.
الأكثر قسوة أن المنصات الحديثة لم تكتفِ بعرض التجارب، بل جعلت الإنسان يشعر أن عليه أن يعيشها كلها؛ وكأن قيمة الحياة تُقاس بعدد ما خضناه، لا بعمق ما عشناه.
لذلك صار البعض يتنقّل بين الأشياء كما يتنقّل السائح بين المدن؛ يمرّ سريعًا، يلتقط صورة، ثم يرحل قبل أن يترك المكان أثره الحقيقي فيه.
في المقابل، ليس كل شائعٍ سطحيًا، وليس كل مختلفٍ عميقًا؛ فأحيانًا تكون بعض التجارب الجماعية جميلة وصادقة فعلًا، غير أن الفرق يبقى دائمًا في طريقة العيش لا في شكل الفعل نفسه؛ فهناك من يحوّل الشيء العابر إلى معنى، وهناك من يحوّل أعظم التجارب إلى مجرّد مادة للعرض.
ربما لهذا يحتاج الإنسان، وسط هذا التدافع الهائل، أن يتوقّف قليلًا ويسأل نفسه بصدق:
هل أنا أعيش ما أحب؟ أم أعيش فقط ما يفعله الآخرون؟
** **
- أديبة وأكاديمية سعودية.