أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
في المساق الماضي انتهينا مع (ذي القُروح) إلى أنه لا يلزم فنونَ السَّرد شرحُ تفاصيل «المسكوت عنه» على الملأ ليفهم القارئ. بل في هذا فساد في فهم وظيفة الكتابة أصلًا، ووظيفة الأدب. فكما أن مدرسة القراءة التقليديَّة السُّكونيَّة تنتظر من الكاتب أن يُعرِب لها عن تفاصيل كلِّ شيء، فلا تقتنع بالمقروء إلَّا إذا أعربَ لها عن كل شاردةٍ وواردة، تمخَّضت تلك المدرسة عن مدرسة كاتبٍ شبيه، يُلزِم نفسه بما ليس يلزمها، أن يَشرح للقارئ ويفصِّل. وإذا كان البلغاري (تزفيتان تودوروف Tzvetan Todorov ، -2017) قد ناقش إعاقات (القراءة الشارحة)، فقبلها تأتي إعاقات (الكتابة الشارحة). وهي أُسُّ الإعاقات الأسلوبيَّة، في الأدب خاصَّة. ولقد جاءت نظريَّة التلقِّي عند الأكاديمي الألماني (هانز روبرت ياوس Hans Robert Jauss، -1997)، بمفهومه حول ما يسمِّيه (أُفق التوقُّع horizon of expectation)، ثمَّ لدَى زميله (ولفجانج آيزر Wolfgang Iser، -2007)؛ كي تكافح تلك العقليَّة التقليديَّة في الكتابة والقراءة؛ فتقول إنَّ القراءة استكمالٌ للكتابة، ومَلْءٌ لفراغاتٍ فيها، وأنَّ النصَّ لا يكتمل بكتابته، بل يظلُّ ينمو بقراءة قُرَّائه ومتلقِّيه. وهذا لا يتعلَّق بالأدب دون غيره، وإنْ كان يتجلَّى في الأدب على نحو خاص؛ لطبيعة النصِّ الأدبي، متعدِّدة المعاني والأوجه. على أنَّ الإشكال هنا يتخطَّى بنا الضَّلال عن طبيعة الكتابة والقراءة ووظيفتيهما إلى الدخول إلى دائرة الترويج للمسكوت عنه والإغراء به! فقلتُ:
ـ من جانبٍ آخَر، فإن الحُرمات الثلاث المتعلِّقة بـ(الدِّين والجِنس والسياسة)، ليست في واقعنا العَرَبي أو الإسلامي فحسب، بل هي في كلِّ العالم كذلك، وإنْ بنِسَبٍ متفاوتة، بحسب الخلفيَّة الثقافيَّة، وخاصيَّتي التحضُّر و«التَّبربر».
ـ صدقتَ. وأُمَّةٌ وثنيَّة- كـ(اليابان) مثلًا، على مكانتها الصناعيَّة- لا يمكن أن تكون معيارًا، فيما تُبيح وتحرِّم، لشعبٍ آخَر. ومن ثَمَّ لا يسوغ أن يُستشهَد بها نموذجًا تطوُّريًّا في كشف المحرَّمات مقابل وصف غيرها بالتخلُّف في هذا السياق. ثمَّ لماذا افتراض خطأ مجتمعنا مطلقًا وصواب أيِّ مجتمع آخَر، مهما كان متخلِّفًا من الناحية القيميَّة؟! إنَّ إنكار ضرورة الحذر في التعامل مع بعض «تابوهات» حياتنا يعني إنكار مكوِّنات ضروريَّة في حياة الإنسان والمجتمع. والقفز على هذا ضربٌ من تجاهل الواقع، وتدمير الذات والآخَر، بلا رويَّة ولا حكمة. ولا شكَّ أنَّها تظلُّ مشكلتنا في هذا الميدان تلك الثنائيَّات، التي يرفع كلٌّ شعارَ لافتاته من خلالها ليقف تحتها. فلكيلا نقول بإرضاء المجتمع التقليدي، فلنقل بإرضاء الذات، أو شريحة ما من المجتمع، أو تيار معيَّن، أو إرضاء السُّوق الشرائي، العاطفي والغريزي؛ لأنَّ «القمهور عاوز كدا». وبين هذين البُعدَين تترنَّح ثقافتنا في قراءاتها، بلا منهاج قويم، ولا نيات جادَّة نحو الإصلاح، ولكن بعاطفيَّة ثأريَّة غالبة، متعصَّبة ومتناقضة. وفي الشأن الروائي، تحديدًا، تقفز أسئلةٌ تفرضها الموجة الأيديولوجيَّة، غير الأخلاقيَّة، التي كثيرًا ما تتبنَّى خطًّا تصادميًّا مراهقًا مع المجتمع في أعمالها، فتَخرج بمثابة «بيانات صحفيَّة متشنِّجة» ضِدَّ المجتمع ومؤسَّساته، فلا هي تُضيف إلى الفنِّ الروائي، ولا هي تُعالج قضايا الإنسان والحياة، ولا تُؤدِّي إلى أيِّ هدفٍ نوعيٍّ، أدبيٍّ أو اجتماعيٍّ. وإنَّما هي منشغلة بالتنفيس عن مكبوتات، قد تكون شخصيَّة، من جهةٍ، وبالمتاجرة الإعلاميَّة والماليَّة باسم النهضة الروائيَّة، من جُلِّ الجهات.
ـ هل النموذج الروائي نموذجٌ شرِّيرٌ منحطٌّ بالضرورة؟
ـ لا، ولكن حينما يواجَه كاتبٌ بأنَّ نماذجه- التي يسمِّيها إنسانيَّة- تنصبُّ على نماذج قبيحة، وربما مشوَّهة، تُشيع القبح في النفوس، والفاحشة بين الناس، وتحبِّب الرذيلة، بدل أن تنفِّر منها، وتطبِّع الناشئة على تقبُّل تلك النماذج وتهوين أمرها، والتسليم بسلوكيَّاتها، وربما محاكاتها، يقول لك: هذا هو الواقع المسكوت عنه، ولستُ بمصلحٍ اجتماعي! وهو هنا يُراوغك ليدافع عن بضاعته، من وجه، ولكي يكذب على المتلقِّي من وجهٍ آخَر، بإيهامه بأنَّه إنَّما ينقُد تلك النماذج ويعرِّيها، ولا يبشِّر بها ويسوِّغها في الذَّوق العام!
ـ ثمَّ لماذا التركيز على تلك الشخصيَّات المريضة وحدها؟ لماذا الانتقائيَّة، ما دام الكاتب يصوِّر الحياة والواقع بشموليَّته كما يزعم؟
ـ إنَّ الاختيار وافد العقل والذوق. أم تُرَى الغِنَى النفسي والاجتماعي ليس إلَّا في تلك النفوس المريضة؟ كلَّا! وليس هناك روائيٌّ حقيقيٌّ إلَّا يصوِّر مختلف الشخصيَّات، وبحياد، ولهدفٍ ضِمني. لكن تلك إجابة كاتبٍ صغيرٍ، مربوطٍ في مِذْوَدٍ أيديولوجي، أو على موجة هوى تجاريٍّ ما، بلا موهبةٍ تؤهِّله لذلك المخاض الإنساني، ولا فِكرٍ يُقيله عن تلك الإجابة المعوقة.
ـ معنى هذا أنَّ من وظيفة الفنِّ التهذيب والإصلاح؟
ـ حتمًا من وظيفة الفنِّ التهذيب والإصلاح. أم تُرى من وظيفته التشويه والإفساد؟! لكن لا تنس أنَّ الكُتَّاب بَشَر في النهاية، ومنهم أنفسهم مرضَى نفسيُّون، ومنحرفون، ومجرمون! فلماذا نفترض أنَّ كتَّاب الرواية متجرِّدون ممَّا يكتبون من أمراض؟ ولا ينفصل النصُّ عن شخصيَّة الناصِّ الذهنيَّة والنفسيَّة، بإطلاق. نعم، قد لا يعبِّر عنها مباشرة، لكنَّ الكاتب مخبوء فيما كتبت يده، شاء أم أبى، بعُقَده النفسيَّة والاجتماعيَّة. ومن هنا تأتي مسؤوليَّة الكاتب، التي لا تنصُّل منها، والتنصُّل إثمٌ إضافي. ولذا فإنَّ أيَّ فنٍّ لا يسعى إلى التهذيب والإصلاح- بطريقته الفنِّـيَّة لا بطريقةٍ واعظةٍ مباشرة- هو عدوان أخلاقيٌّ على المجتمع، ويجب أن يحاسَب عليه قانونيًّا كجُنحة أخلاقيَّة، تقع تحت طائلة القانون.
ـ كلامك يذكِّرني بمقولة «السِّجن تهذيبٌ وإصلاح»! وهنا يجب أن توضح دلالة «التهذيب والإصلاح»، قبل أن يبطش بك الباطشون!
ـ مَن يُصدِّق أنَّ القول بأنَّ الأدب تهذيبٌ وإصلاحٌ تستفزُّ بعض مَن لا يرون الأدب كذلك، إنْ لم يروه بعكس ذلك! وهذا ما حدث بالفعل، حينما ذكرتُ هذه العبارة في مناسبة سابقة! فاستشاط حَرَدًا بعض المعنيِّين والمعنيَّات بالأمر! وحينما نقول إنَّ من وظيفة الفنِّ التهذيب والإصلاح، قد يظهر علينا من يتظاهر بعدم الفهم، فيعمد إلى التدليس، قائلًا: كيف (تَقْصُر) وظيفة الفنِّ على التهذيب والإصلاح؟ وكيف تقول: إنَّ (ما يكتبه المبدع) هو عدوان أخلاقيٌّ على المجتمع ويجب أن يحاسَب عليه قانونيًّا كجُنحة أخلاقيَّة تقع تحت طائلة القانون؟ ويأخذ صاحبنا في التباكي على حُريَّة الإبداع وحقوق المبدعين، وضرورة كشف المسكوت عنه؛ لأنَّه حين كشفنا المسكوت عنه المتعلِّق بشخصه الكريم، زَعِل. وإذ نعود إلى أُفهوم «التهذيب الإصلاح» المراد ندرك أنه ينبغي أن يكون أرحب من اختزاله في الجوانب التربويَّة وأشمل من المعاني التوجيهيَّة المباشرة، التي يجفل منها الناس لعُقَد طفوليَّة أو اجتماعيَّة أو تعليميَّة. ولذلك أُشِيرَ إلى أنَّ التهذيب المقصود هو «بالطريقة الفنيَّة لا بطريقة وعظيَّة مباشرة». وتلك حُجَّة (أرسطو) على (أفلاطون)، حينما أبان له أنَّ الشِّعر المسرحيَّ أو المسرح الشِّعريَّ يُصلِح ويُهذِّب أيضًا، ولكن ليس بطريقة الخطيب، وإنَّما بأسلوبه الخاص، فلا يلزم أن تكون رسالته مباشرة؛ بل يكفي أن يعرض الجريمة مثلًا- بصورةٍ منفِّرة طبعًا لا دعائيَّة محبِّبة فيها- لينفِّر منها المتلقِّي، وهو ما دعاه بـ(التطهير أو التنفيس: Catharsis). والأمر في هذا واضح، لكنها المغالطات للاصطياد في الماء الصافي.
ـ ألا ترَى أنَّ بعض أرباب الفنون- التي يُفتَرض أنها جميلة- في عالمنا العَرَبي، المنكوب بأبنائه، قد تخلَّى خلال العقود الأخيرة عن قيمتَي الفنِّ: الفنيَّة والأخلاقيَّة معًا.
ـ وكأنَّهم بذلك يقدِّمون الذرائع للقائلين بتحريم الفنون، جملةً وتفصيلًا. إذ لم تعُد تجد في العمل من تلك الأعمال لا جمالًا، ولا متعة، ولا رسالة. بل الأسوأ من ذلك كلِّه أن تبدو رسالة العمل، المنعوت بالفنِّي، منصبَّةً على ترسيخ قَيَمٍ اجتماعيَّةٍ وإنسانيَّةٍ ترفضها العقول السَّويَّة. وباتت الإثارة في تلك الأعمال لمحض الإثارة، مع ما يتمخَّض عن الإثارة من الابتزاز المالي والعاطفي لجمهرة من سُوقة الناس. باتت التراجيديا للتراجيديا، والكوميديا للكوميديا، مع أنَّ هذين الفنَّين- حسب تاريخهما الإنسانيِّ منذ المسرح اليوناني واحتجاجات (أرسطو) على (أفلاطون) لتبرير وظيفتهما التوعويَّة والأخلاقيَّة- كانا أسلوبَين فعَّالَين في التعليم والتربية. يتوسَّلان قوالب ممتعة ومؤثِّرة، من أجل تصوير حياة الإنسان ومعاناته، بهدف بثِّ رسائل تبصِّره وترشده وتحميه. ولم يكونا تجارةً، أو عبثًا طفوليًّا، كحالهما في معظم الدراما العَرَبيَّة. إذ بات تسوُّل الضحك أو البكاء يبرَّر بأيِّ وسيلة، مهما كان الضحك فجًّا ولا أخلاقيًّا، أو كان البكاء من (متلازمات ما قبل الحيض)! ومن الضحكِ نفسه ضحكٌ أخلاقيٌّ ولا أخلاقي؛ فما كان منه ذا دوافع نفسيَّة طبيعيَّة، ووظائف تربويَّة مباشرة أو غير مباشرة، بريئًا من السُّخرية الجارحة أو العنصريَّة، ممَّا نهت عنه الشرائع والمواضعات كافَّة، فهو سلوك إنساني وصحي. غير أنَّ من الضحك، أو إثارة الضحك، ما هو غير أخلاقي، كأنْ يسخر قومٌ من قوم، كما جاء في الآية الكريمة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ، عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ، وَلا نِسَاء مِن نِسَاء، عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ، وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ، وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ، بِئْسَ الاسْمُ ا لفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ، وَمَن لَمْ يَتُبْ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ». فسمَّت الآية ذلك السلوك «ظُلمًا». وهو ظُلْمٌ للذات والمجتمع معًا. وما يحدث في بعض الأعمال التي تُسمَّى فنِّية يقترف ثلاثة أنواع من الظُّلم، ظُلم الذات، وظُلم الفنِّ بتتفيهه، وظُلم الناس بازدراء قِيَمهم، ومشاعرهم، ومن خلال ذلك ابتزاز جيوبهم وعقولهم ونفوسهم. وما الملهاة العَرَبيَّة في معظمها إلَّا نموذج لواقعنا الثقافي والأخلاقي: من سخرية أهل بلدٍ من أهل بلد، أو أهل منطقةٍ في البلد الواحد من أهل منطقة أرى، أو من أشخاص، أو طوائف، أو فئات اجتماعيَّة، أو حتى من ذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصَّة.
** **
- (العضو السابق بمجلس الشورى- الأستاذ بجامعة الملِك سعود)