خالد محمد الدوس
ظهر مصطلح (الاقتصاد البنفسجي) لأول مرة في فرنسا عام 2011 بمناسبة نشر وثيقة في النسخة الإلكترونية لصحيفة لوموند الفرنسية، ومن ضمن الموقعين على هذه الوثيقة هيئة إدارة جمعية «ديفيرسيوم» هذه الجمعية التي نظمت في باريس في شهر أكتوبر من العام 2011 أول منتدى دولي حول الاقتصاد البنفسجي تحت رعاية كل من منظمة اليونيسكو، والبرلمان الأوروبي، والمفوضية الأوروبية.
ومن منظور علم الاجتماع الثقافي، يمثل «الاقتصاد البنفسجي» تطوراً طبيعياً في فهم دور الثقافة في المجتمع.
فبعد أن كانت الثقافة يُنظر إليها كاستهلاك (دعم المتاحف والمسارح) أو كهوية (الحفاظ على التراث)، أصبح اليوم يُنظر إليها أيضاً كإنتاج (سلع وخدمات ثقافية قابلة للبيع والتصدير) وكاستثمار (خلق فرص عمل، جذب السياحة، تنويع مصادر الدخل). هذا التحول لم يكن ليحدث لولا الركائز الثلاث التي أرساها علم الاجتماع الثقافي: تسليع الرموز (كما ناقشه العالم بودريار)، تحويل رأس المال الثقافي إلى رأس مال اقتصادي (كما حلله العالم بورديو)، وتحقيق القوة الناعمة عبر التبادل الثقافي (كما طوره منظرو العلاقات الدولية).
وفي هذا السياق.. يُشير «الاقتصاد البنفسجي» إلى أحد الألوان الاجتماعية للاقتصاد، مّما يسُهم في تطوير ثقافة السلع والإنتاج لتحقيق التنمية المستدامة، ويعرف بأنه جزء من الاقتصاد الذي يساهم في التنمية المستدامة من خلال تعزيز الإمكانات الثقافية للسلع والخدمات.
في إطار رؤية المملكة الطموحة 2030، يكتسب «الاقتصاد البنفسجي» أهمية مضاعفة.
فالأهداف الطموحة لتنويع الاقتصاد، وزيادة مساهمة القطاع الخاص، وخلق فرص عمل نوعية للمواطنين، لا يمكن تحقيقها دون استثمار جاد في الصناعات الإبداعية: الأزياء، التصميم، الأفلام، الفنون البصرية، التراث، الطهي، والنشر. هذه القطاعات ليست كماليات، بل أصبحت مصادر للثروة وقاطرة للتنمية، كما أثبتت تجارب كثير من الدول في شرق أسيا وأوروبا في تحويل الثقافة إلى اقتصاد وصناعة يحقق نمواً مستدام، وليس غريباً أن نجد أن وزارة الثقافة السعودية قد أنشأت هيئات متخصصة لكل من هذه القطاعات، وأنشأت صندوقاً للتنمية الثقافية، وأطلقت عشرات المبادرات لدعم ريادة الأعمال الإبداعية.
لكون الثقافة تشكل بعُداً رابعاً يضاف للأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية التي يبنى عليها مفهوم التنمية المستدامة، وتضع الفرد في قلب اهتمامات العملية الاقتصادية، حيث لا يمكن تحقيق هذا الهدف إلا من خلال المرور عبر البعُد الثقافي والذي بدوره ينشر مبادئ التنمية المستدامة، إذ أنه لا يمكن تحقيق تنمية مستدامة إلا بتدخل مجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية، ولابد أن تتكامل هذه العوامل فيما بينها بطريقة تفاعلية متكاملة، إذ لا يمكن التفكير في تصميم المنتج واختزال البعد المحلي فيه، في حين يمكن «رد الاعتبار» إلى المقومات والهوية الثقافية للمجتمع المحلي وجغرافيته عن طريق مزج الثقافة بالاقتصاد، أو دمج البُعد الثقافي في الأنشطة الاقتصادية وهو قادر أن يعطينا نموذجاً جديداً لتنمية اقتصادية مستدامة وهو ما يدخل فيما يعرف «بالاقتصاد البنفسجي».
وبالطبع تتمثل أهميُته في كونه جسراً يربط بين الثقافة والتنمية، وبين الابداع والاقتصاد، وبين الهوية والعولمة.. حيث يُسهم الاقتصاد البنفسجي في خلق قطاع اقتصادي جديد قائم على الإبداع والثقافة، مّما يقلل الاعتماد على الموارد الطبيعية المتجددة، ويحقق أحد الأهداف الاستراتيجية لرؤية 2030 في تنويع الاقتصاد الوطني، حيث يُسهم في دعم السياحة الداخلية كما إن الصناعات الإبداعية تعتمد على المهارات الفردية والإبداعية أكثر من اعتمادها على رأس المال الضخم، مما يتيح فرص عمل للفئات الشابة والنسائية القادرة على التميز في مجالات التصميم، المحتوى الرقمي، الأزياء، والفنون.. إلى جانب تعزيز القوة الناعمة والحضور الدولي، ومعروف أن المنتج الثقافي (فيلم، تصميم، مطبخ، حرف) هو سفير للمملكة العربية السعودية في العالم، يُسهم في تغيير الصورة الذهنية، وجذب السياح والمستثمرين، وبناء علاقات ثقافية تؤدي إلى علاقات سياسية واقتصادية أعمق.
ومن هذا المنطلق تعد الثقافة ومكوناتها (القوة الناعمة) ذات الأثر البالغ في الاقتصاد كما أن الاقتصاد البنفسجي يسهم في تحسين جودة الحياة ورفع مؤشرات السعادة.. من خلال المشاركة في الأنشطة الثقافية والفنية التي ترفع -ميكانيكياً- من جودة حياة الأفراد، وتقلل من التوتر والاغتراب، وتعزز الشعور بالانتماء والإنجاز، مّما ينعكس إيجاباً على الصحة النفسية والتماسك المجتمعي.
ومن هنا نجد أن «الاقتصاد البنفسجي» يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقيم وثقافة المجتمع، حيث يؤثر ذلك في استجابة الأفراد، ويسُهم بالتالي في تعزيز تفاعلهم الإيجابي.