عبدالله العولقي
في أحد شوارع طوكيو الشهيرة، افتتح الشابُّ الياباني هاروكي موراكامي مقهًى سياحيًا فاخرًا، فقد كان طموحه يقوده إلى أن يصبح رائدًا من رواد الأعمال الناجحين في اليابان، لكن شاء الله أن تصرفه بعيدًا عن أحلامه، فيتحول طريقه من عالم المال والأعمال إلى عالم القلم والكتابة. ففي مذكّراته يقول: «عندما كنت في التاسعة والعشرين من عمري، كنت قارئًا جيدًا، لكنني لم أكن أعرف أي شيء عن الكتابة، ولم أكتب قبلها سطرًا واحدًا». وفي لحظة حاسمة من حياته، قرر أن يتحول إلى عالم الكتابة وأن يصبح كاتبًا متميزًا في فن الرواية. لقد داهمته هذه الفكرة الغريبة بلا موعد، وتحديدًا عندما كان يستمتع بمشاهدة إحدى مباريات البيسبول. ففي تلك اللحظة الفارقة تحوّل اهتمامه فجأة من متابعة أحداث اللعبة إلى إحساس غامر يدفعه نحو خوض تجربة الكتابة. يقول: «شعرت بشيء سقط من السماء واستقر في قلبي، وأحسست برغبة جامحة تدفعني نحو الكتابة». وعندما بحث بجواره عن ورقة وقلم لم يجد سوى صراخ المشجعين من حوله، فغمرته مشاعر الخيبة وهي تتسلل إلى أعماقه. وما إن انتهت المباراة حتى اتجه إلى المكتبة ليشتري رزمة من الأوراق البيضاء ومجموعة من أقلام الحبر، وما إن وصل إلى المنزل حتى بدأ يبحث عن طاولة يكتب عليها، فلم يجد سوى طاولة المطبخ. وبدون أي تردد شرع في الكتابة، علّه يطفئ تلك النار المتأججة بين جوانحه. وظل يكتب بشغف حتى أشرقت شمس الصباح، وكانت الأفكار تنهال على قلمه وكأنها تعاتبه على تأخره في اقتحام عوالم الكتابة. ومنذ تلك الصدفة العجيبة لم يتوقف عن ممارسة شغفه العارم تجاه القلم والإبداع.
لقد أصبح موراكامي اليوم ظاهرة ثقافية عالمية؛ فما إن تعلن إحدى دور النشر اليابانية عن موعد صدور رواية جديدة له حتى يصطف اليابانيون في طوابير أمام المكتبات شغفًا بقراءته. فهو اليوم من أشهر الروائيين في العالم، وتُترجم رواياته إلى معظم اللغات الحية، وليس هذا فحسب، بل إن أعماله تحظى باهتمام النقاد في الصفحات الأدبية والثقافية في مختلف صحف العالم ومجلاته. وكل رواية يصدرها تتحول إلى حدث ثقافي عالمي. وهكذا نجح الروائي الياباني في تحدي سطوة الرأسمالية الجشعة عندما استطاع أن يعيد للثقافة بريقها الإعلامي في زمن أضحت فيه الثقافة حدثًا هامشيًا في ساحة الأخبار العالمية.
وُلد هاروكي موراكامي عام 1949م في مدينة كيوتو اليابانية، عقب أفول مآسي الحرب العالمية الثانية، لوالدين يعملان في تدريس الأدب الياباني، ولذلك نشأ في بيئة ثقافية بامتياز. وقد ساهم والداه في تكوينه الثقافي، على الرغم من إصراره في البداية على التوجه نحو التجارة وريادة الأعمال. وكانت مكتبة المنزل المكتظة بالكتب سببًا مهمًا في تشكيل ذهنيته الإبداعية والعلمية، فتحولت القراءة من مجرد عبث طفولي بتقليب الصفحات إلى برنامج يومي صارم يقرأ فيه معظم النتاج الروائي العالمي. لكن الأدب الأمريكي كان يستثيره بصورة أكبر؛ فقرأ أعمال إرنست همنغواي، وويليام فوكنر، وجون شتاينبك، وريتشارد بروتيغان، وكورت فونيغوت، وجاك كيرواك، وت. إس. إليوت وغيرهم. وهنا يظهر تميّز موراكامي عن بقية الكتّاب اليابانيين باتساع اطلاعه على الآداب العالمية عمومًا، والأدب الأمريكي على وجه الخصوص.
ويحتفل موراكامي هذا العام ببلوغه السابعة والسبعين من العمر، ورغم تقدمه في السن فإنه يحاول أن يبدو محتفظًا بروح الشباب وحيويته. ومن غرائب شخصيته اللطيفة أنه يغضب إذا وصفه أحد بالعجوز، ولهذا يقول: «ما يدهشني هذه الأيام هو كيف أصبح الرجال الذين في جيلي كهولًا، وكيف أصبحت الفتيات الجميلات اللواتي أعرفهن عجائز! إنه أمر محبط بعض الشيء». ويتمتع موراكامي اليوم بصحة جيدة، إذ يخضع لنظام غذائي صارم، ولذلك يمكن تصنيفه ضمن الشخصيات التي تحب الالتزام في كل شيء. فهو يقدّس الوقت ويحترم المواعيد بدرجة كبيرة، ويذكّرنا ذلك بالفيلسوف الألماني إيمانويل كانط والروائي نجيب محفوظ، إذ تتقاطع شخصيته معهما في عدة جوانب، منها الالتزام برياضة المشي يوميًا. فهو يقول: «أنا أمشي بصورة منتظمة يوميًا، وأعتقد أن عليّ أن أكون قويًا جسديًا من أجل كتابة قوية ومبدعة». كما يتشابه المبدعون الثلاثة في التزامهم الصارم ببرنامج الكتابة خلال الفترة الصباحية. فقد كان كانط يصحو في الخامسة صباحًا، ويتناول قهوته، ثم يبدأ القراءة والكتابة لساعتين، وبعد عودته من الجامعة يجلس إلى مكتبه حتى الواحدة ظهرًا. أما نجيب محفوظ فكان يستيقظ في السادسة صباحًا، ويمارس المشي ساعتين، ثم يكتب ثلاث ساعات كاملة قبل أن يضع القلم دون أن يحاول إكمال جملة إن انتهى الوقت المخصص للكتابة. وهذا هو حال موراكامي أيضًا؛ إذ يصحو في الرابعة فجرًا ويستمر في الكتابة ست ساعات متواصلة يوميًا، ولا يحيد عن ذلك إلا في الظروف الطارئة.
ويرى النقاد أن موراكامي يمثل مدرسة أدبية متميزة في أسلوبها وسرديتها الروائية، فهو مزيج من مدارس عالمية متعددة. فقد تأثر محليًا بكبار الأدباء في اليابان، وعالميًا بكتابات فرانز كافكا وفيودور دوستويفسكي وغابرييل غارسيا ماركيز، وكان لهؤلاء أثر عظيم في أعماله. ولذلك يرى النقاد أن كتاباته تنتمي إلى منطقة ثالثة متقاطعة بين الثقافات البشرية، فهي مزيج إبداعي بين الشرق والغرب. وفي هذه المنطقة الهجينة يكتب موراكامي أدبًا يراهن على التجربة الفردية بوصفها مدخلًا إلى الكوني، وعلى العزلة بوصفها لغة مشتركة بين البشر مهما تباعدت جغرافياتهم، ولذلك تحظى أعماله باهتمام واسع في مختلف الثقافات الإنسانية. كما حظي موراكامي باهتمام خاص في المكتبات العربية، وله قراء معجبون ومولعون بكتاباته.
لقد أحب موراكامي الكتابة الروائية بصورة استثنائية، فعندما يمسك قلمه ينفصل عن واقعه اليومي ويدخل عالم اللامعقول والخيال، بل ينغمس في رواياته بصورة تقترب من الهوس. لكنه ما إن يترك القلم حتى يعود إلى واقعه المعاش، أو كما يقول: «أستعيد شخصيتي الأصلية». ويقول أحد النقاد عن أدبه: إن أكثر ما يعكس براعة موراكامي هو قدرته على تصوير الحياة اليابانية أمام الشعوب الأخرى؛ فهو ينقل أجواء الجامعة اليابانية، ويصور الشارع الياباني، ويعكس صورة الأسرة اليابانية، ولذلك يُعد سفيرًا للأدب الياباني إلى العالم. فلديه قدرة فذة على تحويل اليوميات اليابانية الروتينية إلى وليمة أدبية آسرة. وعلى الرغم من تأثره بالثقافة الغربية، فإنه لم يكن مقلدًا لها، بل كان صاحب صوت خاص. ففي أعماله تجد ملامح الثقافات الإنسانية المختلفة، لكنك تنبهر كذلك بحضوره الياباني الأصيل؛ فتشم رائحة المطبخ الياباني، وتسمع نغمة الموسيقى الشرقية، وتغوص في أساطير الثقافة المحلية القديمة، وكأنك تشاهد فيلمًا سينمائيًا جميلًا. وتقول الناقدة رقية نبيل: «إنه يصف معالم اليابان بشوارعها وحاراتها، ويسرد أفكار أهلها وتصوراتهم ونتفًا من حياتهم وصراعهم مع أنفسهم والمجتمع من حولهم». وربما لهذا السبب تحظى رواياته بذلك الرواج الكبير حول العالم؛ لصدقها في نقل الحكايات، ودقتها في وصف تفاصيل بلاده، لأن الرواية، ببساطة، إذا انبعثت من القلب فإنها تمس قلوبًا كثيرة وتقتحمها بعفوية ودون عناء.
وينتمي موراكامي إلى أدب الفانتازيا، أو الأدب الغرائبي كما يحلو لبعض المترجمين تسميته، ولذلك فهو يعشق الكتابة في الألغاز والإبحار في عوالم الأسطورة. ففي روايته كافكا على الشاطئ يبحر بالقارئ في عوالم متنوعة من الأساطير والخيال والأحلام والرؤى. وقد تعودنا في مكتبة الأدب العالمي على هيمنة الإبداع الأوروبي والأمريكي، لكن أدب موراكامي استطاع أن يلفت الأنظار إلى الأدب الياباني، فهو يقود اليوم موجة الأدب الآسيوي التي بدأت تستقطب القراء من أنحاء العالم كافة. وتأتي معه الكاتبتان الصينيتان كان شيويه وتسان شيويه، وجميعهم رُشحوا لجائزة نوبل، بالإضافة إلى الكاتبة الكورية الجنوبية هان كانغ التي فازت بجائزة نوبل عام 2024م.
ويقول موراكامي عن أسلوبه الخاص في الكتابة: «أسلوبي مثل نظارتي؛ فمن خلال تلك العدسات يبدو العالم منطقيًا بالنسبة إليّ». أما النقاد فيرون أنه يستند إلى البساطة التي تخفي وراءها عالمًا معقدًا من الخيال، فهو توليفة بين البساطة والتعقيد. والأهم عنده عمق الفكرة التي يدهش بها المتلقي، وهذا ما جعله قريبًا من قرائه حول العالم. فهو يستخدم لغة مباشرة تخفي وراءها فضاءات متداخلة من الرموز والإيحاءات، ولذلك يمكن وصف أدبه بأنه من طراز «السهل الممتنع». كما تتميز أعماله بتصدرها قوائم الكتب الأكثر مبيعًا، وقد تُرجمت رواياته ومذكراته إلى أكثر من خمسين لغة عالمية. وحصل موراكامي على عدة جوائز دولية، منها جائزة القدس عام 2009م، وفي عام 2006م حصد ثلاث جوائز دولية هي: جائزة عالم الفانتازيا، وجائزة فرانك أوكونور العالمية للقصة القصيرة، وجائزة فرانز كافكا.
وفي الختام، لعل في هذا المقال إجابة وافية عن سؤال العنوان: لماذا يقرأ العالم موراكامي؟ ذلك الروائي المبدع الذي صنّفته صحيفة ذا غارديان واحدًا من أعظم الروائيين الأحياء في العالم.