محمد بن عبدالله العمري
تعيش مدينة جدة مرحلة مفصلية في تاريخها العمراني والتنموي، فهي ليست مجرد مدينة ساحلية كبرى، بل واجهة اقتصادية وسياحية وإنسانية للمملكة العربية السعودية، وبوابة الحرمين الشريفين، ومركز جذب سكاني واستثماري متسارع. ومع هذا النمو الكبير، تبرز الحاجة إلى رؤية تنفيذية واضحة يقودها أمين جدة القادم، ترتكز على ملفات تمس حياة السكان بشكل مباشر، وتعيد تشكيل المدينة لتكون أكثر كفاءة واستدامة وجودة حياة.
وخلال الفترة الماضية وجدنا البدء في مشاريع جبارة قادها بكل اقتدار معالي الأستاذ صالح التركي، ولكن ونحن في انتظار الأمين الجديد فإنه بلا شك سيواجه عددا كبيرا من الملفات، ولكن برأيي إن هناك ستة ملفات تمثل الأولوية القصوى، ليس لأنها ملفات خدمية فقط، بل لأنها أساس بناء مدينة حديثة وآمنة وقادرة على مواكبة المستقبل ويسرني أن أستعرضها هنا:
أولاً: استكمال مشروع تصريف مياه الأمطار
لا تزال أزمة تجمعات المياه والسيول تمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه جدة منذ سنوات طويلة. ورغم الجهود والمشاريع المنفذة، فإن بعض الأحياء ما زالت تعاني عند كل موسم أمطار من تعطل الحركة المرورية وتهديد الممتلكات والبنية التحتية.
المطلوب من أمين جدة القادم ليس فقط استكمال المشاريع القائمة، بل الاستفادة من التطور التقني والفني الذي يتزايد يوماً بعد الآخر لرؤية شاملة لمنظومة تصريف الأمطار والسيول، وفق معايير حديثة تعتمد على:
رفع الطاقة الاستيعابية للشبكات.
ربط الأحياء الجديدة والقديمة بمنظومة موحدة.
الاستفادة من التقنيات الذكية في مراقبة تدفق المياه.
تسريع المشاريع المتعثرة وربطها بجداول زمنية معلنة.
تعزيز الشفافية في نسب الإنجاز.
الاستفادة من الشبكات المؤقتة السطحية خلال عام 2026 حتى استكمال الشبكة التحتية.
إن نجاح ملف تصريف الأمطار يعني نجاح الأمين وحماية الأرواح والممتلكات، واستعادة ثقة السكان في الأمانة.
ثانياً: تطوير البنية التحتية
أي مدينة عالمية لا يمكن أن تنجح دون بنية تحتية متينة ومتكاملة. وفي جدة، ما زالت بعض الأحياء تعاني من:
تكرار أعمال الحفر.
ضعف شبكات الخدمات.
تداخل مشاريع الجهات المختلفة.
تفاوت مستوى الخدمات بين الأحياء.
المياه السطحية.
تكاثر البعوض والقوارض.
الأرصفة وما أدراك ما الأرصفة والحفر.
لذلك فإن المرحلة القادمة تتطلب إنشاء منظومة تنسيق موحدة بين الجهات الخدمية، بحيث تنفذ المشاريع بشكل متكامل وليس متفرقاً ، فالبنية التحتية ليست مجرد خدمات تحت الأرض، بل هي العمود الفقري للتنمية الاقتصادية وجودة الحياة.
ثالثاً: الطرق والنقل
تواجه جدة تحدياً يومياً يتمثل في الازدحام المروري، خصوصاً في المحاور الرئيسية والربط بين شمال المدينة وجنوبها وشرقها. ومع الزيادة السكانية والتوسع العمراني، أصبحت الحاجة ملحة إلى إعادة صياغة منظومة النقل بالكامل.
ويجب أن يركز أمين جدة القادم على:
توسيع المحاور الرئيسية.
تطوير الحلول الذكية لإدارة الحركة المرورية.
تعزيز النقل العام وربطه بالأحياء الحيوية.
زيادة الجسور والأنفاق في التقاطعات الحرجة.
توفير مسارات آمنة للمشاة والدراجات.
تقليل زمن التنقل اليومي للسكان.
طريق ذكي يربط شمال جدة بجنوبها يستخدمه المواطن والمقيم وحركة الحافلات والنقليات
(المدينة الناجحة ليست التي تبني طرقاً أكثر فقط، بل التي تجعل التنقل أسهل وأسرع وأكثر أماناً).
رابعاً: جودة الحياة
المدن الحديثة تُقاس اليوم بمدى راحة الإنسان فيها، وليس فقط بحجم مشاريعها الخرسانية. ولهذا فإن ملف جودة الحياة يجب أن يكون ضمن أولويات المرحلة المقبلة في جدة.
ويتضمن ذلك:
زيادة الحدائق والمتنزهات.
تحسين المشهد البصري.
معالجة التشوهات البصرية.
دعم الأنشطة الثقافية والرياضية.
توفير واجهات بحرية وخدمات عامة عالية الجودة.
الاهتمام بالمشي والأنسنة.
رفع مستوى النظافة والصيانة الدورية.
فجدة تملك كل المقومات لتكون من أفضل مدن المنطقة معيشياً وسياحياً، لكنها تحتاج إلى استدامة في التنفيذ، وعدالة في توزيع الخدمات بين جميع الأحياء.
خامساً: مشروع الجسور الخمسة.
من أهم المشاريع التي يمكن أن تغير شكل الحركة المرورية في جدة وتُسهل على المواطن والمقيم والسائح الحياة هو إنشاء سلسلة جسور استراتيجية تربط شمال المدينة بجنوبها وتخفف الضغط عن المحاور الحالية ويبرز ضمن هذه الرؤية تنفيذ الخمسة ،جسور المعتمدة سابقاً وهي:
1 - جسر أبحر
يبدأ من الصالة الشمالية وصولاً إلى أبحر الشمالية، ليشكل محوراً حيوياً يختصر زمن التنقل ويدعم التنمية السياحية والعمرانية في شمال جدة.
2 - جسر دوار الجمل
يعد من أهم الحلول لفك الاختناقات المرورية في المنطقة، وتحسين الربط بين المحاور الرئيسية في احياء ابحر الشمالية والجنوبية واحياء جدة الأخرى.
3 - جسر السلام (دوار الكرة الارضية)
مشروع استراتيجي لتسهيل الحركة المرورية وتقليل زمن الرحلات اليومية بين الأحياء الحيوية وفك اختناق طريق السلام وطريق الملك عبدالعزيز
4 - جسر صاري
يمثل محوراً مهماً لتوزيع الحركة المرورية شرقاً وغرباً وربط المناطق التجارية والسكنية والكورنيش.
5 - جسر التحلية (الأمير محمد بن عبدالعزيز)
يخدم أحد أكثر الشوارع حيوية في جدة، ويساهم في تقليل الضغط المروري وتحسين انسيابية الحركة في قلب المدينة.
هذه الجسور الخمسة ليست مشاريع هندسية فقط، بل استثمارات مباشرة في وقت الإنسان وجودة حياته واقتصاد المدينة.
سادساً: ملف حي الرويس
حي الرويس، هذا الحي هو واحد من الأحياء الذي يمكن أن يؤدي إلى قصة نجاح تُكتب بماء الذهب لعدة أسباب أهمها:
أ - الموقع الجغرافي.
ب - يجمع كل الصفات (تجاري، سكني، قريب من البلد ومن الوسط ، مقبول من كثير من الشركات ومراكز الأعمال).
ج - استمرار قبول الناس للسكن فيه.
د - ضعف وتأخر خدمات جودة الحياة فيه.
والحلول التي اقترحها لهذا الحي ما يلي:
1 - رسم طريق بعرض 50 مترا من شمال الحي (شارع فلسطين إلى جنوبه طريق الملك عبدالله) ومثله من الشرق للغرب (من طريق الملك عبدالعزيز إلى طريق المدينة شرقاً ووصولاً إلى طريق الملك فهد الستين).
2 - تعويض من يمر الطريقان عليهم بعدة طرق مثل التعويض المباشر، التوقيع مع الصناديق أو البنوك لتحمل التعويضات مقابل الاستفادة من استثمار الارتفاعات للمباني، التشارك مع صندوق الاستثمارات العامة، تعديل الارتفاعات للمباني التجارية أو السكنية إلى ما لا يقل عن 6 أدوار للسكنية و10 أدوار للتجارية (بمقابل مادي) وغيرها من وسائل التعويض الأخرى.
ختاماً جدة تستحق مرحلة جديدة
في ظل الدعم اللامحدود من مولاي خادم الحرمين الشريفين وسيدي سمو ولي العهد حفظهما الله فإنني أرى إن المرحلة المقبلة 2026 - 2030 وما بعدها يحتاج الأمين فيها إلى
الجرأة على اتخاذ القرار والقدرة على التنفيذ
والرؤية التي تضع الإنسان أولاً.
فجدة اليوم ليست بحاجة إلى مشاريع تجميلية مؤقتة، بل إلى حلول جذرية ومستدامة تعالج التحديات التاريخية، وتؤسس لمدينة أكثر كفاءة وتنظيماً وجودة حياة والتناغم مع هيئة تطوير جدة ميدانياً وليس خطط لمشاريع مكتوبه وانما مشاريع تُنفذ.
إن نجاح أمين جدة القادم سيقاس بقدرته على تحويل هذه الملفات الستة من وعود وخطط إلى واقع يلمسه كل ساكن وزائر في شوارع جدة وأحيائها وكيفية استفادته من المجتمع المحلي المتخصص والخبير في مختلف التخصصات سواء من خلال مراكز الأحياء أو من خلال اللجان الاستشارية.