عمرو أبوالعطا
تُرى العمارة في كثير من البلاد صناعةً من صناعات المادة، أو فناً من فنون الزينة، أو علماً من علوم الحساب والهندسة، ولكنها في المملكة العربية السعودية أوسع من هذا كله، وأعمق أثراً، وأشد اتصالاً بحياة الناس وطبائع الأرض ومسالك التاريخ. فهي حديث الإنسان مع المكان، وهي أثر الزمن إذا استحال حجراً وطيناً وخشباً، وهي صورة الأمة إذا أرادت أن ترى نفسها في مرآة العمران.
من أراد أن يفهم المجتمع، فليقرأ بيوته وأسواقه ومدنه، فإن الجدران كثيراً ما تقول ما تعجز عنه الكلمات، وإن السقوف والنوافذ والأفنية تحفظ من أسرار الناس ما تحفظه الكتب.
ليس من اليسير أن نطلق على العمارة السعودية وصفاً واحداً جامعاً، لأن هذه البلاد نفسها ليست صفحة واحدة من الأرض، ولا لوناً واحداً من الطبيعة، ولا سيرة واحدة من العيش. فيها الصحراء الممتدة، وفيها البحر المنفتح، وفيها الجبل الصاعد، وفيها الواحة الساكنة، وفيها المدن التي حملت آثار القوافل والحجيج والتجار والعلماء والمسافرين. فإذا اختلفت الأرض اختلف العمران، وإذا تنوعت الحياة تنوعت صور البناء، وإذا تعددت الحاجات تعددت الأشكال والمواد والمعاني.
في قلب الجزيرة، حيث نجد، نشأت عمارة لها طابع الوقار والاقتصاد والدقة في مهادنة المناخ. هناك لا يعبث الناس بما حولهم، لأن البيئة تعلمهم الحساب، وتدعوهم إلى الرشد، وتفرض عليهم أن يجعلوا من القليل كثيراً. فكان الطين مادة البناء، وكان الجدار السميك حارس البيت من حر النهار وبرد الليل، وكان الفراغ الداخلي عالماً مستقلاً يجد فيه الساكنون راحتهم وطمأنينتهم. ولم يكن الطين علامة فقر كما يظن بعض المتعجلين، وإنما كان ثمرة عقل عرف كيف يستخدم ما تمنحه الأرض، وكيف يصنع من التراب مأوى ومن البساطة جمالاً.
في البيوت النجدية يظهر الفناء الداخلي، أو الحوش، كأنه قلب الدار النابض. تنفتح عليه الغرف، وتلتقي عنده الأسرة، وتدور حوله حركة اليوم من أول الصباح إلى آخر المساء. وهو في معناه أوسع من مساحة مكشوفة، لأنه نظام للحياة، ومركز للعلاقات، ومجال للضوء والهواء والسكينة. في هذا الفناء ترى كيف استطاعت العمارة أن تجمع بين الحاجة العملية والروح الاجتماعية، وأن تجعل البناء صورة للألفة والخصوصية معاً.
أما النوافذ الصغيرة والفتحات المرتفعة، فهي شاهد آخر على هذا الذكاء القديم. الضوء يدخل بقدر، والهواء يتحرك بحساب، والنظر لا ينفذ إلى الداخل إلا بحدود. وكأن البيت النجدي يعلم ساكنه معنى التوازن، فلا إفراط في الانكشاف، ولا انقطاع عن العالم، ولا إسراف في الزينة، ولا غفلة عن الراحة. وهنا ندرك أن العمارة لم تكن خطوطاً مرسومة، وإنما كانت أخلاقاً مجسدة في الحجر والطين.
فإذا انتقلنا إلى الحجاز رأينا صورة أخرى من صور العمران، أكثر حركة، وأشد اتصالاً بالعالم الخارجي، لأن البحر يفتح الأبواب، والتجارة تجمع الأمم، والحج يصنع من المدينة ملتقى للناس والألسنة والعادات. في مكة وجدة والمدينة نرى العمارة وقد أخذت من الانفتاح نصيباً كبيراً، فواجهات البيوت أكثر حضوراً، والعلاقة بين الداخل والخارج أوضح وأغنى.
من أظهر ما يميز هذه العمارة الرواشين الخشبية التي صارت علماً على مدن الحجاز القديمة. وهي ليست زينة معلقة على الجدران، وإنما نظام كامل يجمع الظل والهواء والرؤية والستر. يستطيع الساكن أن يطل على الطريق، وأن يتابع حركة الناس، وأن يحيا في صلة بالمدينة، مع احتفاظ البيت بحرمة الداخل وخصوصيته. وهذا الجمع بين المشاركة والاحتجاب صورة من صور الحكمة الاجتماعية التي أبدعتها المدينة الحجازية عبر قرون طويلة.
وقد استخدمت في تلك المدن مواد شتى، منها الحجر المرجاني، ومنها الأخشاب التي جاءت مع السفن، ومنها ما حملته التجارة من أنحاء بعيدة. فصار البيت الحجازي شاهداً على أن الهوية لا تخاف الأخذ من العالم، ما دامت قادرة على صهر الوافد في طابعها الخاص. ومن هنا كانت عمارة الحجاز مثالاً على التفاعل الحي بين المحلي والوافد، بين الجذور والرحلة، بين الثبات والحركة. ثم نصعد إلى الجنوب، إلى عسير وما جاورها، فنجد الجبل قد فرض منطقه، وعلّم الناس أن البناء حوار مع الارتفاع والانحدار. البيوت هناك متماسكة، قائمة على السفوح، كأنها جزء من الصخر الذي خرجت منه. والحجر هو سيد المشهد، لأنه أقرب المواد إلى البيئة وأشدها ملاءمة لها. والبيت الجبلي هناك لا يطلب الزينة من خارج ذاته، لأن قوته في تناسبه مع المكان، وفي قدرته على الثبات حيث يعجز غيره.غير أن هذه الصلابة لا تمنع حضور الجمال، ففي الداخل يزدهر فن القط العسيري، بألوانه الزاهية وأشكاله الهندسية وإيقاعه البصري البديع. والجدار الذي يبدو من الخارج متقشفاً، يتحول في الداخل إلى مساحة فرح وحيوية. وفي هذا التباين معنى عميق، إذ يعلمنا أن الجمال قد يسكن وراء المظاهر البسيطة، وأن الروح الإنسانية قادرة على أن تجعل من المكان المحدود عالماً رحباً من الألوان والمعاني.
في المنطقة الشرقية نلقى نمطاً آخر تشكله الواحات والبحر والرطوبة وحرارة الصيف. هناك ظهرت الأروقة والليوانات والفراغات المظللة، ومال البناء إلى اللين والانفتاح النسبي، لأن البيئة تدعو إلى حركة الهواء وإلى الاستفادة من الظل والماء. والبيت الشرقي أقرب إلى المصالحة بين اليابسة والبحر، بين الزراعة والتجارة، بين الاستقرار والرحيل.
وهكذا نرى أن العمارة السعودية ليست طرازاً واحداً، وإنما هي مجموعة تجارب كبرى جمعها أصل واحد، هو حسن التكيف مع الواقع. كل منطقة قرأت أرضها قراءة مختلفة، وكل مجتمع أجاب عن أسئلته المعاشية بطريقته، وكل جيل أضاف لبنة إلى ما سبقه. فالوحدة هنا ليست في الشكل، وإنما في الفكرة، وليست في الصورة، وإنما في العقل الذي أنشأ الصورة.
ثم جاء القرن العشرون بما حمل من تحولات اقتصادية وعمرانية واسعة. اتسعت المدن، وتغيرت حاجات الناس، ودخلت الخرسانة والحديد والزجاج، وارتفعت الأبنية على نحو لم تعرفه الأزمنة السابقة. وكان طبيعياً أن تتغير الوجوه العمرانية، وأن تظهر أشكال مستعارة من مدن العالم الكبرى. وفي هذا التحول كسبت البلاد سرعة البناء وسعته، وربحت وسائل حديثة في الراحة والخدمات، غير أنها واجهت سؤالاً عسيراً ؛ كيف تتقدم المدينة من غير أن تفقد ملامحها؟.
ذلك السؤال شغل العقول زمنًا طويلاً، لأن الحداثة إذا دخلت على عجل قد تمحو أكثر مما تبني، وقد تكرر صوراً لا صلة لها بالمناخ ولا الذاكرة ولا طبيعة المجتمع. ومن هنا بدأت محاولات جادة للبحث عن صيغة جديدة، تستفيد من أدوات العصر، وتحفظ في الوقت نفسه روح المكان.
فصار الحديث عن الهوية المعمارية حديثاً عن الفناء والظل والمادة المحلية والنسب الهادئة والفراغ الإنساني. وعاد المعماريون ينظرون إلى التراث لا على أنه مخزن أشكال جاهزة، وإنما على أنه خبرة طويلة في فهم البيئة والإنسان. فليس المقصود أن نكرر البيت القديم كما كان، وإنما أن نفهم منطقه، ثم نصوغه بلغة الحاضر.
في هذا السياق ظهرت مشروعات كبرى أعادت الاعتبار للتاريخ العمراني، كما حدث في إحياء الدرعية، حيث لم يكن الأمر ترميماً لجدران قديمة، وإنما استعادة لذاكرة كاملة، ومحاولة لربط الأجيال الجديدة بجذور المكان. وظهرت أيضاً مشروعات حديثة على السواحل والصحارى، تسعى إلى المصالحة بين البناء والطبيعة، وإلى جعل الاستدامة جزءاً من الفكرة المعمارية نفسها.
ثم جاءت المدن الجديدة والمشروعات المستقبلية، تحمل تصوراً آخر للعلاقة بين الإنسان والعمران. فصار السؤال يدور حول الطاقة، والنقل، وجودة الحياة، والذكاء الاصطناعي، وإدارة الموارد، وكيف يمكن للمدينة أن تكون أكثر رحمة بسكانها وأكثر انسجاماً مع بيئتها. وهذه مرحلة جديدة تدخل فيها العمارة السعودية مجال الحوار العالمي حول مستقبل المدن، من غير أن تنسى حاجتها إلى صوتها الخاص.
ومن أعمق ما يلفت النظر في هذه المرحلة ما يسمى العمارة السلمانية، وهي نزعة تبحث عن التوازن، فلا تغرق في تقليد الماضي، ولا تستسلم لسحر القوالب المستوردة. تعود إلى البساطة، وتحترم المقياس الإنساني، وتستدعي الظل والفناء والخامة المحلية، ثم تقدم ذلك كله في صورة حديثة صافية. فهي ليست عودة إلى الوراء، وإنما تقدم إلى الأمام بعين مفتوحة على الذاكرة.
اليوم تقف العمارة السعودية أمام تحديات جسام. السرعة مطلوبة، والطموح كبير، والعالم يراقب، والاقتصاد يتحرك، والناس يريدون مدناً أجمل وأيسر عيشاً. ومع هذا كله يبقى السؤال القديم جديداً: كيف نبني ما ينفع الإنسان، ويصون البيئة، ويحفظ للمدينة شخصيتها؟ .
العمارة السعودية في حقيقتها قصة أمة مع المكان، بدأت بالطين والحجر والخشب، وامتدت إلى الزجاج والفولاذ والتقنيات الذكية. وهي في كل أطوارها بحث عن التوازن بين الحاجة والجمال، وبين الخصوصية والانفتاح، وبين الذاكرة والمستقبل. فإذا نظرنا إليها هذه النظرة علمنا أنها ليست مباني قائمة في الشوارع، وإنما فكر يمشي في الأرض، وتاريخ يسكن الجدران، وأمل يرتفع مع كل بناء جديد.