محمد لويفي الجهني
أثناء بحثي المتواصل لتوثيق طرق التجارة القديم وطرق ودرب الحجاج الشمالي ومحطات نزولهم ومصادر المياه قديماً التي بنيت على طرقهم وفي أماكن محطاتهم وأماكن نزولهم، كسلسلة آبار العمارة وبئر الوحيدي وغيره أثارني بجانب بئر العمارة في خيف الفقير الزراعي بمحافظة أملج (مزرعة الغريب) وعرفت أن الغريب يطلق عليه الحاج، حيث مر علي الاسم كثيراً بقول بعض الرواة الذين التقي بهم، حيث يقولون حدثني الغريب وهم يقصدون الحاج، فسألت لماذا سُميت بهذا الاسم فتوجهت إلى الراوي التاريخي سليم السناني وأستعنت به كموثوق شفوي للتاريخ ووقف معي على موقع مزرعة الغريب وحدثني عن أسباب التسمية قائلاً قبل أكثر من مائتي عام تقريباً قدم مجموعة من الحجاج يتجاوز عددهم عشرة حجاج تقريباً واستضافهم سلمان بن لويفي المرواني أحد سكان قرية المقرح التابعة لمحافظة أملج والتي تقع على طريق الحاج وبالقرب من إحدى محطاته فأكرمهم وأحسن ضيافتهم وكان معهم أحد الحجاج مريضاً وأصابته وعكة صحية أثناء رحلة الحج وأخذ يعالجه ويأتي له بالطبيب الشعبي في ذلك الوقت ولكن فترة علاجه طالت وبقي في قرية المقرح في ضيافة سلمان المرواني وذهب بقية الحجاج إلى الحج على أن يلحق بهم إذا تماثل للشفاء من المرض الذي حل به، ولكن طالت مدة علاجه وبعد أن شفاه الله اقترح عليه المضيف الكريم أن يبقى عنده في القرية ويحج العام القادم ووافق الحاج على البقاء وأثناء وجوده أعطاه أرضاً زراعية بجانب بئر العمارة وغرس فيها نخل وأخذ الحاج يعتني بها ويسقيها من البئر، وكان الماء قريباً من سطح الأرض وبعد مرور عام وقدوم موسم الحج ذهب الحاج إلى الحج بعد أن جهّزه بما يحتاج لرحلة الحج وبعد أن منَّ الله عليه بالحج رجع إلى قرية المقرح بأملج وأستأذن من الكريم سلمان المرواني وأعطاه المزرعة لكنه لم يأخذها فقال هي لك وأعطها لمن تريد وذهب الحجاج إلى بلاده، ولكن قصته وفعله العظيم بقي كأثر شاهد على العصر وسُميت المزرعة بمزرعة الغريب أي الحاج لتبقى شاهداً على أثر كرم الكريم سلمان لويفي المرواني -رحمه الله- أثناء استضافته حملة للحجاج وتكفله بعلاج مريضهم واستضافته لمدة عام، لتبقى القصة التي حدثت قبل أكثر من مائتي عام شاهداً على قصة إكرام الحجاج؛ حجاج بيت الله في محطة المقرح بمحافظة أملج وهذا ليس مستغرب على أهالي المقرح.
وفي الختام هذه إحدى قصص الآثار الكريمة التي حدثت قبل قرنين من الزمن وذهب أصحابها وبقيت آثارهم شاهداً على ما قدموا من قصص الكرم لتنقل لجيل بعد جيل ولتكتب كرم السعوديين منذ القدم في الاهتمام بالحاج وحمايته وإكرامه، والعمل ما زال مستمراً ومتواصلاً في إكرام الحجاج قديماً وحديثاً وفي كل عام وهو شرف وشاهد ومشاهد ويكفي خير شاهد أن قادة بلادنا وملوكها ارتبطت أسماؤهم بلقب خادم الحرمين الشريفين، وهكذا هي آثار الكرم تبقى شاهداً، فجزى الله خيراً للكريم الذي استضاف الحجاج وأهداه مزرعة بعد أن عالجه والخير والكرم متواصل في أحفاده الذين تعاملت معهم ناصر وعبدالعزيز وسألتهم عن القصة وأكدوا قول الراوي التاريخي سليم علي السناني وقالوا هو المصدر والذي أخذ المعلومة من أحد أبناء الكريم سلمان المرواني قبل أكثر من ستين عاماً.
وبعد وفي نهاية قصة الكرم الفياض يسعدني أن أنقل القصة في أشهر الحج لتوضح أننا كسعوديين لنا أثر عميق في إكرام حجاج بيت الله الحرام وإكرامهم وخدمتهم، وليس غريباً على أهالي قرية المقرح بمحافظة أملج، فالكرم متأصل فيهم منذ القدم قديماً وحديثاً ومتوارث كريم عن كريم ويكفي أن من سكانه عتيقة المكاسير كريمة كغيث سحابة تهل من فيضها مدراراً كرماً طبيعياً متوارثاً جيلاً بعد جيل وكريماً عن كريم.