عبدالرحمن الحضري
لطالما خضت مع أبنائي معارك نقاشية حول فلسفة شراء السيارات، كانت نصيحتي المستمرة لهم: عليكم بالاعتمادية.. لا تغرنكم الزخارف.
وكنت استشهد بوعي الشعوب في التي تحرص على الجودة، وأحذرهم من بريق الكماليات الذي قد يغطي هشاشة المضمون.
كانوا يطالبون بنظام «بوز» الصوتي، ومقاعد ذكية، وقيادة شبه آلية، وأنظمة ركن لا تتوافر إلا في الفئات العليا من السيارات ذات الجودة العالية، لكن أسعارها فلكية، بينما يجدون كل ما فات وأكثر كمعيار قياسي في أقل فئة من السيارات الصينية.
كنتُ أظنني على حق، حتى صفعتني الحقيقة في رحلة خارجية مؤخرًا، حين رأيت الاعتمادية العجوز تتراجع أمام التكنولوجيا الشابة في عقر دار المؤمنين بالاعتمادية.
لم يكن أبنائي هم من انتصروا.. بل الواقع الصناعي الجديد.
وإن كان في جعبتي بقية من شك، فقد بدّدَتْها اعترافات كبار سدنة هذه الصناعة في الولايات المتحدة واليابان خلال أبريل 2026؛ تصريحات لم تكن مجرد تحذيرات، بل كانت بمثابة نعي رسمي للنهج التقليدي في صناعة السيارات.
فها هو جيم فارلي (الرئيس التنفيذي لشركة فورد): يصف القدرة الصينية بالفيضان، فالصين تنتج 50 مليون سيارة سنويًا، بينما لا يمتص سوقها سوى 30 مليونًا، وهذا الفائض (20 مليون سيارة) كفيل بتدمير قطاع التصنيع الأمريكي بالكامل ما لم تُبنَ جدران حماية عازلة، أما توشيهيرو ميبه (الرئيس التنفيذي لشركة هوندا): الذي عاد إلى اليابان بصدمة حضارية بعد زيارته لمصانع شنغهاي، ليقول لموظفيه بمرارة: لا نملك فرصة أمام هذا!
ذُهل ميبه من الأتمتة الكاملة ودورة التطوير التي تستغرق 18 شهرًا فقط، بينما لا تزال هوندا العريقة تكافح في قيود نظام السنوات الأربع، في حين طالب أكيو تويودا (رئيس مجلس إدارة شركة تويوتا): بمراجعة معايير الجودة المبالغ فيها للقطع غير المرئية لتقليل التكلفة، ومحذرًا بلهجة جنائزية: ما لم تتغير الأمور.. فلن ننجو!
إذن: عندما يعترف قادة الصناعة بالهزيمة، ويطالبون بالتنازل عن مثالية الجودة لمجاراة جنون السرعة والسعر، فهذا يعني أن زمن السيارة التي تعيش لجيلين قد ولى إلى غير رجعة.
أبنائي كانوا يقرأون المستقبل، بينما كنتُ أنا غارقًا في قراءة التاريخ.
لذا، لا أجد حرجًا في إعلان هزيمتي أمام جيل التكنولوجيا؛ فالعالم اليوم لا يبحث عن مركبة تدوم إلى الأبد، بل عن جهاز ذكي يسير على أربع عجلات.