مبارك بن عوض الدوسري
حين تبدأ بشاير الرطب وبواكيره في منتصف يونيو المقبل، وتبدأ عذوق النخيل في وادي الدواسر بالإفصاح عن موسمٍ ينتظره الأهالي والمزارعون عاماً بعد عام، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: لماذا لا تمتلك المحافظة حتى اليوم مهرجاناً يليق بما تملكه من ثروة زراعية ونخيل وإنتاج وتميز؟
ولماذا تتكرر خسارة الفرص التسويقية والتنموية في واحدة من أهم المحافظات الزراعية في المملكة، بينما تنجح مناطق ومحافظات أخرى في تحويل مواسمها الزراعية إلى مناسبات اقتصادية وسياحية كبرى تنعكس آثارها على الجميع؟
إن وادي الدواسر ليس اسماً عابراً في خارطة الزراعة السعودية، بل يعد من أبرز المحافظات الزراعية التي تحتضن أكثر من نصف مليون نخلة، تتنوع منتجاتها بين أجود أصناف الرطب والتمور، وفي مقدمتها «إخلاص وادي الدواسر» الذي يمثل علامة فارقة في جودة المنتج وتميزه، إلى جانب المكفزي والعنيب والبرحي والهشيش والصقعي وأم قميعه، فضلاً عن تمور السري التي تشتهر بها المحافظة عن سواها من مناطق المملكة، وهي منتجات تمتلك من الجودة والسمعة ما يؤهلها لأن تكون واجهة تسويقية واستثمارية متقدمة لو حظيت بالتنظيم والتسويق والدعم المناسب.
ومع بزوغ نجم سهيل واقتراب موسم الصرام، تتحرك الأسواق الشعبية والمزارع بصورة تلقائية، غير أن ذلك الحراك يظل محدود الأثر مقارنة بما يمكن أن يحققه مهرجان متخصص للرطب والتمور يجمع بين التسويق والاستثمار والسياحة والترفيه والثقافة الزراعية؛ فالمهرجانات الزراعية اليوم لم تعد مجرد مواقع للبيع والشراء، بل أصبحت منصات اقتصادية متكاملة تسهم في تنشيط الحركة التجارية، ودعم المزارعين، وتحفيز الأسر المنتجة، وجذب المستثمرين، وخلق فرص عمل موسمية ودائمة، إلى جانب دورها في إبراز الهوية الزراعية للمناطق والمحافظات وتعريف الزوار بمقوماتها وإمكاناتها.
ولعل ما يحدث حالياً في موسم الحبحب «الجح» بوادي الدواسر يمثل جرس إنذار مبكراً ينبغي التوقف عنده بجدية، فالموسم الذي يشهد وفرة كبيرة في الإنتاج لم يحظَ - بكل أسف - بالاهتمام الكافي من الجهة المعنية، ما أدى إلى ضياع فرص تسويقية واقتصادية كان يمكن أن تعود بالنفع على المزارعين والمحافظة بأكملها؛ ومن هنا تبدو الحاجة ملحة لأن يبدأ العمل مبكراً على الإعداد لمهرجان تمور ورطب وادي الدواسر قبل حلول الموسم، حتى لا يتكرر المشهد ذاته مرة أخرى، وتضيع فرصة جديدة كان بالإمكان تحويلها إلى قصة نجاح تنموية واقتصادية.
إن إقامة مهرجان للرطب والتمور في وادي الدواسر لن يكون مجرد فعالية موسمية عابرة، بل مشروع تنموي متكامل يحمل أبعاداً اقتصادية، وسياحية واجتماعية واسعة؛ فالمهرجان قادر على استقطاب الزوار من مختلف مناطق المملكة، وتحريك قطاعات الإيواء والمطاعم والأسواق والنقل والخدمات، كما يسهم في تعزيز الحراك السياحي الداخلي، خصوصاً في ظل ما تمتلكه المحافظة من مقومات زراعية وتراثية وطبيعية تستحق أن تُكتشف وتُستثمر بصورة أفضل.
كما أن المهرجان يشكل فرصة مهمة لتسويق المنتجات والعلامات التجارية العاملة في قطاع التمور والمنتجات الزراعية، ويفتح المجال أمام المنتجين والموردين لتوسيع شبكات التوزيع والتسويق، إلى جانب تشجيع الاستثمارات المرتبطة بالصناعات التحويلية والتعبئة والتغليف والتسويق الإلكتروني والخدمات اللوجستية، وهي جميعها قطاعات تتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز مساهمة القطاعات الإنتاجية في الناتج المحلي.
ولأن المهرجانات الزراعية تعد من المبادرات الفاعلة في تطوير المنظومة الزراعية، فإنها تسهم أيضاً في رفع جودة الإنتاج وتحفيز المزارعين على التميز والابتكار، عبر ما توفره من منافسات وجوائز وفرص للتدريب والتسويق والعقود التجارية، فضلاً عن دورها في دعم الاستدامة الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي، وهي أهداف وطنية كبرى تحظى باهتمام القيادة الرشيدة ودعمها المستمر.
إن وادي الدواسر يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليكون واحداً من أهم مهرجانات الرطب والتمور في المملكة، لكنه بحاجة إلى قرار مبكر، وتنظيم احترافي، وتكامل بين الجهات المعنية، حتى تتحول ثروته الزراعية إلى قوة اقتصادية وسياحية حقيقية يشعر بها المزارع والمستثمر والمواطن والزائر على حد سواء؛ فالفرص لا تنتظر كثيراً، والمواسم الزراعية تمضي سريعاً، وما لم يُبادر اليوم إلى التخطيط والاستعداد، فقد نجد أنفسنا بعد أشهر نردد ذات العبارات والأسف الذي يتكرر مع كل موسم يمر دون أن يجد ما يستحقه من اهتمام ورعاية.