عبدالعزيز صالح الصالح
لقد اهتم ديننا الإسلامي الحنيف بالنظافة في جميع مرافق الحياة الخاصة والعامة، سواء في المسكن أو المدرسة أو المتجر أو المسجد أو الطريق أو الحي أو العمل أو في الميادين أو في الحدائق أو على ساحل البحار...، إلى جانب الجسم والشعر والأطراف والثياب، فإذا تبعها المرء حَسُنَ مظهرُه، وجمل منظره، وطاب مخبره، فإن النظافة تزيد صاحبها في العين محبة، وفي القلب انشراحاً، وفي الإحساس ارتياحاً، فقد وردت طائفة عديدة من أحاديث نبي الرحمة محمد بن عبداللَّه صلوات الله وسلامه عليه تدعو المسلم إلى رعاية تلك النظافة الشاملة والجمال الفطري البديع، ليكون نموذجاً حسناً لغيره يُقتدى به في مسالك الخير والرشاد.
وقال نبي الرحمة محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه: (إن الله جميل يحب الجمال)، وقال عليه الصلاة والسلام: (من كان له شعر فليكرمه) فإنَّ إكرام الشعر يكون بغسله وتنظيفه وتمشيطه وتطييبه فهذا الأمر من الفطرة السليمة والذوق المستقيم.
ولرعاية هذا المعنى الجمالي أيضاً فقد حذَّر نبي الرحمة محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه الرجل من إطالة شاربة عن شفتيه، روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن زيد بن أرقم رضي اللَّه عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يأخذ من شاربه فليس منا). وروى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقص ويأخذ من شاربه، وكان إبراهيم خليل الرحمن -صلوات الله عليه وسلامه- يفعله فأشار الرسول الكريم بهذا إلى أن هذا الأمر من الفطرة التي تتابعت عليها شرائع الأنبياء. وقال نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم: (إذا خرج الرجل إلى إخوانه، فليهيء من نفسه، فان الله جميل يحب الجمال). (وفي صحيح مسلم) عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة؟
يعني: أيعد هذا من الكبر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس!) انتهى كلام القرطبي، وبطر الحق هو أن يتكبر الإنسان عن الحق فلا يقبله، وغمط الناس هو احتقاره لهم واستهانته بهم.
وفي تفسيره صلى الله عليه وسلم للكبر بأنه بطر الحق وغمط الناس: فهذا تقرير منه للسائل، بأن تجمّل المرء في الهيئة والمظهر واللباس والحذاء والنعل وكل ما يرتفق به -من غير إسراف ولا خيلاء- فهو مشروع محمود ومطلوب في الإسلام، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم للسائل في مستهل جوابه: (إن اللَّه جميل يحب الجمال).
فالعناية والاهتمام بالمظهر الخارجي والداخلي وما إليه من مرافق الحياة دون مغالاة، من الجمال الذي يحبه الله تعالى.
فقد وضح نبي الأمة المحمدية أن رعاية هذه الأفعال الخمسة، من طبيعة الفطرة ودواعي النفس البشرية، فرعايتها لا تحتاج إلى أوامر مؤكدة لما فيها من المصالح والمنافع الدنيوية له في جمال مظهره وتمام صحة بدنه.
فإن المصالح الدنيوية تدرك بأيسر نظرة، ففيها تحسين الهيئة وتنظيف الأطراف والبدن وفيها المحافظة على جمال الفطرة التي أشار إليها قوله تعالى في محكم كتابه الكريم: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} سورة غافر آية (64).
والمحافظة على هذه الخصال الجميلة محافظة على المروءة، وعلى التآلف المطلوب، لأن المرء إذا بدا في الهيئة الجميلة، كان أدعى لانبساط النفس البشرية إليه والإقبال عليه، ومن أخل بهذه الخصال الحميدة نغر منه الناس وابتعدت عنه القلوب والأشباح عنه!
ومع الأسف الشديد أن الكثير من البشر يراعون النظافة الظاهرة فقط، سواء في ملابسهم وأظافرهم وشعورهم وذلك من أجل الآخرين الذين يخالطونهم، وأما ما وراء ذلك فيهملون رعايته ونظافته إهمالاً كبيراً! فإن الهيئة الرديئة الثائرة مخالفة للفطرة الإنسانية.
والله الموفِّق..