عبد العزيز الموسى
ليست أزمة الاستشراق أنه أخطأ في بعض أحكامه، بل أنه أخطأ في موقعه من موضوعه. لقد انطلق من افتراضٍ راسخ بأن الإسلام يمكن أن يُفهم من خارج تجربته، وأن يُختزل إلى نصوص تُحلَّل، ومجتمعات تُصنَّف، وشعائر تُوصَف، وهذه ليست مشكلة أفراد بقدر ما هي مشكلة نموذج معرفي كامل يفترض أن الفهم يتحقق عبر التمثيل لا عبر المعايشة، غير أن هذا الافتراض يتصدّع – بل ينهار– عند أول احتكاك جاد بالحج؛ لأن الحج ليس «موضوعًا» للمعرفة، بل شرطٌ من شروطها.
فالحج ليس مجرد شعيرة مركزية في الإسلام، بل أحد أكثر النماذج اكتمالًا لتجربة إنسانية تفشل في احتوائها أدوات التفسير الحديثة، هنا يتبدّى التعارض الحاد بين نمطين من المعرفة: معرفة تمثيلية تُشيّد مسافة بين الباحث وموضوعه، ومعرفة تجريبية لا تقوم إلا على الانخراط.
الاستشراق، بوصفه امتدادًا للمركزية الغربية، انحاز إلى الأولى؛ بينما يقدّم الحج نفسه بوصفه اختبارًا حاسمًا لها.
في الحج، لا تُنتج المعرفة عبر الملاحظة الباردة، بل عبر المشاركة الكلية: عبر الجسد في الإحرام، والحركة في الطواف والسعي، والوقوف في عرفات، والبيتوتة في مزدلفة، ورمي الجمار، والمبيت في منى، إنها معرفة يشترك في بنائها الجسد والوجدان والعقل معًا، لا تختزلها لغة التحليل ولا تحتويها مفاهيمه. وهنا، لا يواجه المنهج نقصًا في المعلومات، بل عجزًا في البنية.
حين دخل ريتشارد فرانسيس بيرتون مكة سنة 1853م، متخفيًا في هيئة مسلم، كان مسلّحًا بيقين المنهج، لكن هذا اليقين تصدّع أمام واقع لا يُختزل. في كتابه الصادر في لندن سنة 1855م بعنوان «السرد الشخصي لرحلة إلى المدينة ومكة» (المترجم إلى العربية بعنوان «رحلة إلى مكة والمدينة»، ترجمة عبد الرحمن بدوي، ونشرته الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987م)، يسجل ما يشبه التراجع الصامت: مساواة تُعاش لا تُنظَّر، ودهشة تُفلت من قبضة اللغة. لم يُسلم بيرتون، لكنه فقد المسافة التي تتيح له الادعاء بأنه يراقب من الخارج.
وقبله، كان جون لويس بوركهارت قد دخل مكة سنة 1814م باسم «الشيخ إبراهيم»، ونُشرت مذكراته في لندن سنة 1829م بعنوان «رحلات في الجزيرة العربية» (في ترجمات عربية حديثة بعد عام 2000م). جاء يبحث عن تنوعٍ يُصنَّف، فوجد وحدةً تتجاوز التصنيف. في عرفات، حيث يقف الجميع في زمن واحد ومقام واحد، لم يعد التعدد دليل تفكك، بل شرطًا لظهور أعلى صور الاجتماع الإنساني الذي لا يظهر إلا من خلال الإسلام.
أما ليون روش، الذي حجّ في ستينيات القرن التاسع عشر (نحو 1864م)، ونشر كتابه في باريس سنة 1866م بعنوان «اثنتان وثلاثون سنة في رحاب الإسلام»، فقد مثّل التمزق بين التجربة ووظيفتها. أعلن الإسلام ثم ارتد عنه، لكن نصوصه لا تخلو من لحظات انكشاف؛ إذ يعترف بأن عاطفة جماعية عميقة تستولي على الحجاج في عرفات، عبارة قصيرة، لكنها تكفي لفضح عجز اللغة التحليلية.
ويبلغ التناقض ذروته مع كريستيان سنوك هورخرونيه، الذي دخل مكة سنة 1885م باسم «عبد الغفار»، ونشر عمله في لاهاي بين عامي 1888 و1889م بعنوان «مكة» (المترجم جزئيًا إلى العربية بعنوان «مكة في أواخر القرن التاسع عشر»، في دارة الملك عبدالعزيز التاريخية، 2000م). وهو الأكثر صرامة منهجيًا، يعترف بأن ما يراه يصعب وصفه بمصطلحات عقلانية بحتة. هذا ليس قصورًا في الوصف، بل إعلان عن حدود الأنثروبولوجيا حين تواجه تجربة تعيد تشكيل الذات.
وفي مقابل هذا التردد، تأتي تحولات أكثر حسمًا، إيفلين كوبولد، التي اعتنقت الإسلام وحجّت سنة 1933م، ونشرت كتابها في لندن سنة 1934م بعنوان «الحج إلى مكة»، لم ترَ في الحج طقسًا، بل أخلاقًا معاشة: تكافلا، ورعاية، وألفة تتجاوز الفوارق وإنسانية طاغية.
ثم يأتي محمد أسد، الذي يمثّل الحالة الأعمق والأكثر اكتمالًا بين جميع هؤلاء؛ لأنه لم يقترب من الإسلام بوصفه مغامرة، ولا بوصفه وظيفة استعمارية، ولا حتى بدافع فضولٍ إثنوغرافي، بل بوصفه رحلة بحثٍ وجودي وفكري انتهت إلى تحوّل كامل في الرؤية والانتماء. وُلد باسم ليوبولد فايس في أسرة يهودية نمساوية، ثم دخل الإسلام في عشرينيات القرن العشرين بعد رحلة طويلة في المشرق العربي، قبل أن يحجّ إلى مكة ويعيش التجربة من داخلها لا بوصفه زائرًا، بل مسلمًا يرى في الحج لحظة اكتمال روحي ومعرفي معًا.
وفي كتابه الصادر في نيويورك سنة 1954م بعنوان «الطريق إلى مكة» (ترجمة عمر فروخ، بيروت: دار العلم للملايين، نحو 1956م)، لا يكتب محمد أسد بوصفه رحّالة يصف «الآخر»، بل بوصفه إنسانًا أعاد اكتشاف نفسه داخل الإسلام، ولهذا، فإن أهمية أسد لا تكمن في قصة إسلامه وحدها، بل في إسهامه المعرفي العميق؛ إذ تحوّل لاحقًا إلى واحد من أبرز المفكرين المسلمين في القرن العشرين، فكتب عن العلاقة بين الإسلام والحداثة، واشتغل على تفسير القرآن الكريم في عمله المعروف «رسالة القرآن»، وسعى إلى تقديم الإسلام بوصفه منظومة أخلاقية وعقلية قادرة على مخاطبة الإنسان الحديث دون انقطاع عن أصولها.
وفي الحج تحديدًا، وجد أسد ما يشبه البرهان الحي على ما كان يبحث عنه فكريًا؛ إذ رأى في الطواف مركزيةً روحية تُحرّر الإنسان من مركزية ذاته، وفي عرفات صورةً للإنسانية حين تتجرد من امتيازاتها، وفي الإحرام إعلانًا عمليًا عن المساواة لا تنظيرًا لها، لذلك لم تكن عبارته الشهيرة: «شعرت أنني قد عدت إلى موطني» تعبيرًا عاطفيًا عابرًا، بل خلاصة تحوّل معرفي كامل؛ انتقال من النظر إلى الإسلام بوصفه موضوعًا للفهم، إلى العيش داخله بوصفه إطارًا يفسّر الإنسان والعالم معًا.
ويضيف جرفيه كورتيلمون بُعدًا آخر؛ فحتى الصورة، التي يُفترض أنها أداة مسافة، تتحول في الحج إلى أداة اندماج. لم يعد يصوّر «الآخر»، بل يوثّق عالمًا أصبح جزءًا منه. وهنا تسقط آخر أوهام الحياد.
هذه الشهادات لا تحكي قصة أفراد، بل تكشف عن مأزق معرفي، فالحج لا يفشل الاستشراق لأنه يقدّم إجابات مختلفة، بل لأنه يطرح سؤالًا لا يستطيع أن يصوغه: كيف يمكن فهم تجربة لا تُختزل في تمثيل؟ وهنا لا تفشل المركزية الغربية في تفسير الإسلام فحسب، بل في إدراك حدودها هي.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الحج بوصفه نموذجًا بديلًا لإنتاج المعرفة: معرفة تُبنى من الداخل، عبر التكرار والمشاركة، لا عبر الملاحظة والتجريد. وفي هذا النموذج، لا يُلغى الفرد، بل تُعاد صياغة فرديته داخل جماعة، دون أن يفقد وعيه أو خصوصيته.
وهنا يتجلّى الإسلام السني بوصفه الإطار الأكثر قدرة على إنتاج هذا الاجتماع العالمي. وليس ذلك بسبب انتشاره العددي فحسب، بل بسبب بنية عقدية تمتاز بخصيصتين متلازمتين: البساطة في التعبير، والعمق في المضمون، فهي بنية واضحة في أصولها، موحّدة في شعائرها، لكنها في الوقت نفسه عميقة في دلالاتها، قادرة على استيعاب تنوع الثقافات دون أن تفقد تماسكها. هذه البساطة ليست تسطيحًا، بل شرط للانتشار؛ وهذا العمق ليس تعقيدًا، بل مصدرٌ للثبات.
ومن هنا تتهاوى صورة الاستشراق السلبية عن العالم الإسلامي بوصفه فضاء للتنازع المستمر. فالحج، بما هو ممارسة سنوية، يقدّم نموذجًا متكررًا للتعايش الإسلامي – الإسلامي في أعلى درجاته: اجتماعٌ منظم، شعورٌ مشترك، واختلافٌ لا يتحول إلى صراع بل إلى سماحة دينية وإنسانية إسلامية.
وليس معنى ذلك أن هذه التجربة تُقدَّم دائمًا في صورتها المثلى؛ فقد تختلط بها أحيانًا ممارسات بشرية تقصّر في تمثيلها. غير أن هذه الشوائب لا تنقض البنية الأساسية والأصلية، بل تؤكد أن الفارق قائم بين النص حين يُفهم، والتجربة حين تُساء ممارستها.
وفي السياق المعاصر، يكتسب الحج بُعدًا إضافيًا يتجاوز كونه تجربة روحية خالصة، ليصبح نموذجًا متقدمًا في الإدارة والتنظيم. ففي ظل رؤية السعودية 2030، لم يعد الحج مجرد اجتماع بشري هائل، بل منظومة متكاملة تُدار بأعلى درجات الكفاءة، حيث تُنظَّم حركة ملايين البشر، وتُقدَّم الخدمات، وتُسخَّر التقنيات، في توازن نادر بين الروح والنظام. هنا لا تُصان الشعيرة فحسب، بل يُعاد تقديمها للعالم بوصفها نموذجًا حضاريًا معاصرًا.
ومن هذه الزاوية، يتحول الحج إلى أحد أقوى الردود العملية على الإسلاموفوبيا، فهذه الظاهرة تقوم على فصل الإسلام عن تجربته الحية وتحويله إلى صورة ذهنية مشوّهة، بينما يقدّم الحج صورة مضادة مكتملة: بشر من أعراق وثقافات مختلفة، يتحركون ضمن نظام، ويتشاركون في معنى، دون عنف أو فوضى. إنه لا يرد على الصورة النمطية؛ بل يُبطلها من أساسها.
المفارقة النهائية أن الاستشراق، الذي جاء ليفهم الإسلام، اصطدم في الحج بحدود الفهم ذاته. لم يُهزم لأنه خسر جدلًا، بل لأنه فقد موقعه، وحين يفقد المنهج موقعه، لا يعود السؤال: كيف ندرس الإسلام؟
بل: هل يمكن دراسته أصلًا دون أن نكون جزءًا من تجربته؟
فالحج لا يقدّم تفسيرًا للعالم الإسلامي، بل يكشف أن الإسلام – حين يُرى من داخله – أوسع من أن يُفسَّر من خارجه أو من ممارسات لا تمثل حقيقته وجوهره.
وهكذا، وقعت الهزيمة الحقيقية: صامتة، وعميقة، وحاسمة.
حين أصبح الفهم نفسه مستحيلًا دون الانخراط.
إلى اللقاء.