سلمان بن محمد العُمري
أسعدُ جداً حينما أستمع إلى أحاديث كبار السن وذكرياتهم وقصصهم والتاريخ الذي عايشوه بحلوه ومره، سواء في المجالس الخاصة أو عبر اللقاءات التي تتم عبر وسائط الإعلام والتواصل، فأحاديثهم ليست مجرد حكايات للتسلية، بل هي تاريخ شفوي نابض بالحياة، يملأ الفجوات التي قد تتركها كتب التاريخ الرسمية، لأنهم يروون لنا كيف كانت رائحة الأمكنة، وكيف كانت تدار العلاقات الإنسانية قبل عصر الشاشات، ويوثقون بكلماتهم البسيطة تحولات كبرى عاصروها، ويُقال في بعض الثقافات: «عندما يموت رجل طاعن في السن، فإن مكتبة كاملة تحترق»، هذه المقولة تلخص الفقد الكبير الذي نواجهه حين يرحل جيل دون أن يترك خلفه تدويناً لمسيرته.
قد يقول البعض إن هناك مبالغة فما القيمة التاريخية لأحاديثهم؟ وأقول لهم: التاريخ الشفوي يقدم لنا «التاريخ الاجتماعي»؛ والاقتصادي والثقافي والمستوى التعليمي والوضع الأمني والسياسي وغير ذلك، ويبين كيف عاش الناس، وماذا واجهوا من تحديات، بعيداً عن لغة الإعلام والسياسة الجافة، وتدرك الدول المتقدمة أن قوة هويتها تكمن في تفاصيل حياة أفرادها، لذا تخصص المؤسسات مراكز للأرشفة الشفوية لضمان عدم ضياع هذه الكنوز.
على الرغم من أهمية هذه السير، إلا أن من يبادرون لكتابة مذكراتهم قلة قليلة، قد يعود ذلك للتواضع، أو لعدم إدراك البعض أن حياتهم الشخصية تمثل قيمة عامة، أو ربما لصعوبة الكتابة والتوثيق في مراحل عمرية متأخرة، وهنا يأتي دورنا نحن.
وهنا أوجه نداء للأبناء، وأقول: أنتم حراس هذا الإرث، وقبل أن ننتظر المؤسسات الثقافية والمنصات الإعلامية، تقع المسؤولية الكبرى على عاتق الأبناء والأحفاد، إن توثيق سيرة الأب أو العم أو الجد ليس مجرد تكريم لهم، بل هو استثمار للأجيال القادمة، فلا تدعوا هذه القصص تموت مع أصحابها، واجعلوا من جلساتكم العائلية فرصة للتوثيق، فالتقنية اليوم جعلت الأمر أسهل من أي وقت مضى.»
إن التاريخ الذي يسكن صدور كبارنا هو أمانة في أعناقنا، والمبادرة لتوثيقه اليوم عمل وطني وإنساني بامتياز، يضمن بقاء جذورنا متصلة بحاضرنا، ويمهد الطريق لمستقبل يدرك قيمة ماضيه، وكما ذكرت فالتقنية خدمتنا في هذا الوقت أيما خدمة وفي كافة المجالات، ومن بينها توثيق المذكرات والذكريات، والبداية تكون بالتسجيل الصوتي أو المرئي، وفي جلسة ودية، ويبدأ الموثق من الأبناء أو الأحفاد بطرح أسئلة محفزة عن النشأة، البدايات المهنية، والمواقف الصعبة، وإن كان هناك صور ووثائق وتم دعمها بالحديث فهذا يعطيها قوةً إضافية، وليس الجميع يهتم بجمع الصور والوثائق للأسف، وإذا ما وجدت فيتم ربط القصص بالصور القديمة والوثائق المتاحة لتعزيز الذاكرة، والخطوة التالية تكمن في التحويل من الشفاهة إلى الكتابة، والأمر أيضاً أصبح ميسوراً وعبر التقنية بتحويل هذه التسجيلات إلى مذكرات مكتوبة يحفظها الزمن من النسيان.