صالح الشادي
بعد الحرب العالمية الأولى، عادت الدول إلى مراجعة قدراتها العسكرية بعيون مختلفة. لم تعد الاختراعات القتالية مجرد خيار ترفيهي للمهندسين، بل أصبحت ضرورة وجود. المخططون والمهندسون في أكثر من دولة أعادوا صياغة فكرة التفوق العسكري من جديد. هذا التحول لم يكن نظرياً. لاحظناه بوضوح في الحرب العالمية الثانية، حين أظهرت قنبلة هيروشيما أن التطور العسكري لا يقاس بعدد الجنود، بل بابتكار واحد قادر على محو مدينة من الخريطة. ومنذ تلك اللحظة، وهيمنة أمريكا على مشهد القوة لم تأتِ صدفة، بل نتيجة سباق تسلح بدأ قبل عقود.
لكن الأمر لم يتوقف هناك. استمرت الأبحاث والدراسات، وفي كل حرب صغيرة أو كبيرة، كانت فرق الخبراء تتسلم مهمة واحدة: تجربة أسلحتها الجديدة مباشرة على الضحايا الجدد. ليس هذا سراً. جيش الاحتلال الإسرائيلي جرب الكثير من الأسلحة في أراضٍ هي نفسها أصبحت ساحة اختبار. والجيش الروسي، خلال أكثر من مواجهة، جرب أسلحته الجديدة. وزير الدفاع الروسي نفسه تحدث عن تجربة أكثر من مئة سلاح في سوريا وحدها، ناهيك عن الجانب الآخر من الحرب في أوكرانيا. والأمر في تصاعد مستمر.
بعد حروب الشرق الأوسط الأخيرة، تغير المشهد مجدداً. الاهتمام بتطوير واقتناء السلاح لم يعد حكراً على القوى الكبرى. معظم الدول أدركت أن أمنها وسلامة أراضيها لم يعدا مضمونين بالجيوش التقليدية وحدها. لكن القفزة الحقيقية في سباق التسلح وتجارة السلاح آتية بقوة هذه المرة بعد الحرب الأمريكية - الإيرانية، و حتى قبل حدوثها. التجارب المستخلصة من الميدان، والتهديدات الجديدة غير المسبوقة، جعلت العديد من دول العالم تطلق سباقاً جديداً لتسريع التحديث والتصنيع والاختراع العسكري. المصانع والمؤسسات العسكرية دخلت عهداً تجارياً جديداً مختلفاً تماماً.
الأرقام وحدها تكشف الحجم. ما أنفقه العالم على التسليح في عام 2016 لن يكون كإنفاقه في عام 2026. الفارق ليس هامشياً. حتى الدول الصناعية التي كانت تفتخر بصناعاتها السلمية، حوّلت بؤرة اهتمامها نحو تصنيع السلاح. ليس أي سلاح، بل الأذكى والأرخص، لكي يُباع في مناطق القلق والصراع. وليس كمصدر دخل فقط، بل كمنافسة حقيقية لأمريكا التي كانت تنفرد بصناعة السلاح الأفتك وبيعه لحلفائها طيلة عقود. اليوم، المنافسة مفتوحة على مصراعيها.
الزمن يتغير، والقادم في غيب الله. لكن ما يمكن قوله يقيناً هو أن الحرب الباردة ستبدأ من جديد، لكن ليس بالشكل الذي نعرفه. هذه المرة، ستكون بصورة أكثر قلقاً وعنفاً، دون إطلاق رصاصة واحدة. لأن السلاح لم يعد يُختبر فقط في الميدان، بل أصبح هو الميدان نفسه. والمختبرات الحقيقية للبشرية ليست تحت الأرض، بل ستكون فوقها، بين المدن والقرى التي تدفع الثمن. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً: ما هو القادم .. الإجابة: الله أعلم.