عمرو أبوالعطا
لسنوات طويلة، سادت فكرة النيوليبرالية كمحطة ختامية في رحلة الفكر الاقتصادي البشري، وهو الادعاء الذي بلوره فرانسيس فوكوياما في أطروحته عن «نهاية التاريخ»، التي ركزت على الديمقراطية الليبرالية كنظام سياسي نهائي، وليس بالضرورة النيوليبرالية كنموذج اقتصادي، وقد انتقد فوكوياما نفسه لاحقاً الخلط بين المفهومين .
العالم اعتقد أن الديمقراطية الليبرالية مقترنة بأسواق مطلقة الحركة تشكل الصيغة الوحيدة القابلة للحياة. لكن العقود الأخيرة، وتحديداً منذ الأزمة المالية عام 2008، فتحت تشققات عميقة في هذا اليقين، لتضع الجميع أمام تساؤلات جوهرية حول عدالة هذا النموذج وقدرته على الاستمرار.
اليوم، تخفق النيوليبرالية في تقديم إجابات للتحديات الوجودية، من تغير مناخي يهدد بقاء الكوكب إلى فجوات طبقية تمزق النسيج الاجتماعي، وصولاً إلى جائحات صحية كشفت هشاشة أنظمة الرعاية المخصخصة. العالم يبحث عن «ما بعد النيوليبرالية»، كقفزة تحررية نحو المستقبل.
كانت النيوليبرالية مشروعاً فكرياً تم التخطيط له منذ أربعينيات القرن العشرين عبر اجتماعات «جمعية مونت بيليرين» بقيادة فريدريك هايك، ثم انتقل إلى التطبيق العملي عبر «مدرسة شيكاغو» بقيادة ميلتون فريدمان. هذه الأفكار ظلت هامشية حتى السبعينيات، حين ضرب الركود التضخمي الاقتصادات الغربية، لينهار النموذج الكينزي ويأتي دور مارغريت ثاتشر ورونالد ريغان لتطبيق الخصخصة وتفكيك النقابات وتحويل الإنسان من مواطن إلى عميل في السوق.
شعار ثاتشر الشهير «لا وجود لمجتمع، بل مجرد أفراد وعائلات» ، لخص التحول الكبير، مؤكدة على المسؤولية الفردية بدلاً من الاعتماد على الدولة. تم تدويل هذه العقيدة لاحقاً عبر ما عرف بـ «إجماع واشنطن»، حيث فرض صندوق النقد الدولي والبنك الدولي برامج التكيف الهيكلي على الدول النامية كشرط للحصول على القروض، مما أدى في كثير من الأحيان إلى تضرر الصناعات الناشئة وزيادة التبعية.
تجارب العالم الواقعية قدمت دروساً قاسية.
في تشيلي، طبق «فتيان شيكاغو» سياستهم تحت حكم بينوشيه، فتحقق نمو مؤقت على حساب مجتمع أصبح من أكثر مجتمعات العالم تفاوتاً، وهو ما انفجر باحتجاجات 2019.
في بريطانيا، أدت سياسات ثاتشر إلى تفكيك مجتمعات التعدين بالكامل، فخلقت فجوة جغرافية واجتماعية ما زالت تئن حتى اليوم. أما في روسيا بعد الاتحاد السوفيتي، فكان «العلاج بالصدمة» كارثة حقيقية، حيث نهب الأوليغارش ثروات الدولة وانهارت مستويات المعيشة لملايين البشر، مما مهد الطريق لصعود سلطوية جديدة. هذه النتائج تمثل نتاجات حتمية لمنطق يركز على الربح ويتجاهل البعد الإنساني والاجتماعي.
الأزمة المالية العالمية عام 2008 جاءت لكشف الوهم الأكبر، وهو قدرة الأسواق على تنظيم ذاتها. فقاعة الرهن العقاري عالي المخاطر في أمريكا تحولت عبر أدوات مالية معقدة إلى جائحة اجتاحت العالم بأسره. المفارقة العظمى تمثلت في لجوء الحكومات النيوليبرالية نفسها إلى «تأميم الخسائر» وإنقاذ البنوك الكبرى بأموال دافعي الضرائب، بينما بقيت الأرباح خاصة. هذا التناقض كشف زيف ادعاء عدم تدخل الدولة، وأظهر أن النظام مصمم لحماية رأس المال الكبير في لحظات الخطر بينما يتحمل المواطن العادي الفاتورة.
الاقتصادي توماس بيكيتي أثبت في كتابه «رأس المال في القرن الحادي والعشرين» أن معدل العائد على رأس المال يفوق تاريخياً معدل النمو الاقتصادي، مما يعني نمو ثروات الأغنياء تلقائياً بينما تظل أجور العمال راكدة، ليصل التفاوت إلى مستويات تهدد استقرار الديمقراطية ذاتها.
أزمة المناخ تمثل فشلاً بنيوياً، لأن منطق النمو اللانهائي يصطدم بحقيقة كوكب ذي حدود. محاولات حل الأزمة عبر أدوات السوق كـ «تجارة الكربون» أثبتت محدودية جدواها، فهي تعالج الأعراض بينما يستمر استنزاف الموارد. وقد أظهرت العديد من الدراسات أن خصخصة الخدمات الأساسية مثل المياه والطاقة في المدن الكبرى يمكن أن تؤدي إلى صعوبات بالغة في تأمين احتياجات المواطنين خلال الأزمات البيئية والصحية، مما يعيد الاعتبار للإدارة العامة التشاركية.
الجائحة جاءت بعد ذلك لتضع المسمار الأخير، فوجد العالم أن الأنظمة الصحية المخصصة بالكامل قد تواجه صعوبات في الصمود، وأن سلاسل التوريد العالمية الهشة تنهار عند أول عاصفة. الدول التي حافظت على قطاع عام قوي في الصحة كانت الأكثر قدرة على حماية مواطنيها . الجائحة أعادت اكتشاف قيمة «السلع العامة»، وأظهرت أن السيادة الوطنية في مجالات الدواء والغذاء تمثل مسائل حياة أو موت، فاتحة نافذة فرص تاريخية لإعادة التفكير في أولويات العالم بأسره.
مع تراجع الثقة، بدأت تظهر نماذج بديلة طموحة. «الصفقة الخضراء الجديدة» تجمع بين مواجهة التغير المناخي وتحقيق العدالة الاجتماعية، عبر تحول شامل في بنية الاقتصاد يكون محركاً لخلق فرص عمل، بشرط أن يكون الانتقال عادلاً للمجتمعات التي تعتمد على الصناعات الملوثة.
الاقتصادية ماريانا مازوكاتو قدمت في كتابها «الدولة الريادية» رؤية مفادها أن كل التقنيات العظيمة من الإنترنت إلى اللقاحات الحديثة تمثل نتاج استثمارات حكومية طويلة الأجل تحملت المخاطر الكبرى، بينما يأتي القطاع الخاص في النهاية ليحصد الأرباح.
هذا يفتح الباب أمام «اقتصاد توجيه المهمة»، حيث تحدد الدولة أهدافاً كبرى مثل الحياد الكربوني وتوجه الاستثمارات نحوها.
«النظرية النقدية الحديثة» (MMT)، التي تعد ستيفاني كيلتون من أبرز روادها، تذهب إلى أبعد من ذلك، مؤكدة أن الدول ذات السيادة النقدية تمتلك حرية تمويل أوسع، وأن عجز الميزانية يمكن أن يتحول إلى أداة تنموية طالما هناك موارد بشرية ومادية غير مستغلة، مما يحرر السياسات من قيود التقشف الصارمة التي استخدمت لعقود كذريعة لخفض الخدمات العامة.
اقتصاد المشاع الذي طورته إلينور أوستروم يقدم نموذجاً ثالثاً خارج ثنائية الدولة والسوق، فقد أثبتت أن المجتمعات المحلية قادرة على إدارة الموارد المشتركة كالغابات والمياه بكفاءة عبر قواعد جماعية. وتمتد هذه الفكرة اليوم إلى العالم الرقمي لحماية المعرفة والبرمجيات مفتوحة المصدر. الباحث ديفيد بولير، في أعماله حول «المشاع الجديد» (مثل كتابه «Free, Fair, and Alive: The Insurgent Power of the Commons» ، يضيف أن العصر الرقمي يتطلب إطاراً قانونياً يحمي البيانات الشخصية كملكية جماعية إنسانية. «الدخل الأساسي الشامل» برز كأداة لمواجهة الأتمتة وإعادة تعريف العمل ليشمل الأنشطة غير المأجورة كرعاية الأطفال والمسنين، وهي الأنشطة التي يهملها الحساب النيوليبرالي رغم كونها الأساس الحقيقي لأي مجتمع سليم. تقرير البنك الدولي لعام 2019 حول «الطبيعة المتغيرة للعمل» أشار إلى التحديات الكبيرة التي تفرضها الأتمتة على سوق العمل العالمي، مؤكداً على ضرورة شبكات أمان اجتماعي جديدة. ومع ذلك، كان التقرير حذراً تجاه الدخل الأساسي الشامل (UBI)، مفضلاً عليه خيارات مثل «الحد الأدنى المضمون» المرتبط بإصلاحات ضريبية، ومعتبراً أن UBI قد يكون مكلفاً ويقلل من حوافز العمل. وقد أظهرت دراسات في سياسات الرعاية والعمل أهمية إعادة تقييم العلاقة بين الدخل والعمل المنتج لتحسين الصحة النفسية والتماسك الاجتماعي .
على المستوى العالمي، الانتقال يتطلب إصلاح مؤسسات «بريتون وودز» التي يرى البعض أنها تحولت إلى حصون للفكر القديم، وإعادة النظر في آليات مثل «تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول» (ISDS) التي قد تسمح للشركات بمقاضاة الحكومات إذا سنت قوانين تحمي البيئة أو ترفع الأجور، مما قد يسبب «تجميداً تنظيمياً» يعيق التقدم.
دراسات نقدية عديدة توثق كيف تسببت هذه الآليات في تردد بعض الدول في تبني سياسات صحية أو بيئية طموحة خوفاً من التعويضات المليارية. تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) لعام 2020 يسلط الضوء على أن الأزمة الاقتصادية العالمية التي سببتها جائحة كوفيد-19 تفرض خيارًا صارخًا: إما الاستمرار في خيارات السياسات الخاطئة أو تبني مسار جديد لتجنب عقد ضائع. يشير التقرير إلى أن الدول بحاجة إلى مساحة كافية لوضع سياسات مستقلة لتعزيز مرونتها في مواجهة الصدمات الاقتصادية. صعود مجموعة «بريكس» ودول الجنوب العالمي يعيد إحياء فكرة «النظام الاقتصادي الدولي الجديد» التي طرحت في السبعينيات. هذا التكتل يسعى لخلق بدائل للنظم المالية التقليدية ولتقليل الاعتماد المفرط على الدولار، مما يفتح الباب أمام عالم متعدد الأقطاب أكثر توازناً. العدالة الضريبية العالمية تتطلب إنشاء اتفاقية أممية للضرائب لمكافحة التدفقات المالية غير المشروعة التي تستنزف مليارات الدولارات من الدول النامية سنوياً.
تشير تقديرات اقتصادية إلى أن تريليونات الدولارات الموجودة في الملاذات الضريبية خارج نطاق الرقابة تمثل مبالغ ضخمة يمكن أن تساهم في حل أزمات المناخ والديون العالمية.
على المستوى الثقافي، تغلغلت النيوليبرالية في أعماق النفس البشرية، وحولت الإنسان إلى «مشروع استثماري» أو «رأس مال بشري»، مما أدى إلى أزمة صحة نفسية عالمية يمثل القلق والاحتراق فيها ردود فعل على ظروف تنافسية قاسية.
دراسات حول «كوارث النيوليبرالية» تصف كيف أن المجتمعات التي خضعت لسياسات تقشف حادة شهدت ضغوطاً اجتماعية ونفسية متزايدة. مستقبل العمل يتجه نحو تقليص الساعات وتوزيع ثمار الإنتاجية المتزايدة من الأتمتة بشكل عادل، بدلاً من ترك الثروة تتركز في يد أصحاب الخوارزميات. العدالة بين الأجيال تتطلب إنشاء مؤسسات للمستقبل تقيم تأثير السياسات الحالية على الأجيال القادمة.
المفكر الروماني نيكولاي جيورجيسكو روغين، في كتابه عن «قانون الانتروبيا والعملية الاقتصادية» (The Entropy Law and the Economic Process, 1971)، قدم منذ السبعينيات تحذيراً من أن النموذج الخطي في الاستخراج والاستهلاك والنفايات لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، وهو ما يعيد اكتشافه اليوم جيل كامل من نشطاء المناخ. في النهاية، ما يحدث هو صراع بين رؤيتين: الأولى ترى الإنسان كائناً أنانياً يحفزه التنافس في السوق، والثانية ترى فيه كائناً اجتماعياً يزدهر بالتعاون.
بناء عالم «ما بعد النيوليبرالية» يعني استعادة الثقة في القدرة الجماعية، وتصميم مؤسسات تعزز التضامن، وتذكر أن البشر أقوى عندما يكونون متحدين. النيوليبرالية لم تسقط تماماً بعد، لكن قدسيتها تلاشت، وفي الفراغ الذي خلفه تراجع اليقين، تنبت بذور بدائل حقيقية من تجارب محلية إلى أفكار جريئة.
مهمة هذا الجيل هي رعاية هذه البذور وربطها في حركة عالمية متماسكة، لأن الاستمرار في الطريق القديم يعني المزيد من اللامساواة والدمار، والخيار الحقيقي يمثل مفترق طرق بين مستقبل مشترك ونهاية جماعية بطيئة.