حسن بن مريّع
تمثل المجتمعات الإنسانية في جوهرها بناءً متيناً لا ترفعه القوانين المكتوبة وحدها، بل تشده خيوط غير مرئية من العادات والتقاليد التي توارثتها الأجيال، لتعمل كبوصلة أخلاقية تحمي الجميع وتجعلنا نعيش معاً بسلام. هذه القواعد التي نُطلق عليها في تراثنا الإسلامي العظيم اسم (المعروف) وهي في حقيقتها كل خير تعارف عليه الناس، وقبلته عقولهم وفطرتهم السليمة ما لم يصطدم بنص شرعي ثابت، وقد منح الفقهاء الكبار كالإمام مالك وأبي حنيفة مكانة مرموقة للعرف عبر قواعد ذهبية تجعل العادة محكّمة: (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً) مع تشديدهم الصارم على منع العرف الفاسد الذي يضر المجتمع أو يبيح المحرمات. ورغم هذه الحماية فإننا نشهد اليوم موجات متزايدة من الهجوم على هذه التقاليد بدافع التمرد. حيث يصف علماء النفس هذا السلوك بلذة التمرد وهي نشوة خادعة يشعر بها الفرد عند كسر المألوف ليوهم نفسه بالتميز والاستقلال. وهو تمرد قد يخدم الإبداع في المجالات الفنية، ولكنه حين يمتد إلى الفضاء الاجتماعي فإنه يتحول إلى سيف يهدد بهدم جدار الأمان الذي يحمي هوية المجتمع بأكمله.
إن انتقاد العادات البسيطة ليس مجرد وجهة نظر عابرة، بل هو الخطوة الأولى في منحدر زلق يبدأ بالاستهزاء بالوقار والحياء لكسر هيبتهما في النفوس، ثم يتطور سريعاً لمهاجمة القوانين والأنظمة والثوابت الدينية والصدام معها، وهو ما يفسره عالم الاجتماع روبرت ميرتون بنظرية (الضغط البنيوي) حيث يلجأ الفرد المحبط إلى صناعة ثقافة مضادة وخارجة عن المألوف عندما يعجز عن تحقيق ذاته بطرق صحيحة ومقبولة. وفي المقابل وعلى نفس المسار، تبرز في مجتمعات الرفاهية ظاهرة الفراغ الوجودي التي حللها فيكتور فرانكل حيث يدفع الخواء الداخلي أو ما يسمى (عصاب يوم الأحد) الأفراد لتبني قضايا مستوردة لا تناسب بيئتهم؛ هرباً من الملل القاتل، وبحثاً عن صوت مسموع. وقد ضاعفت وسائل التواصل الاجتماعي من حدة هذه الأزمة، إذ فتحت الأبواب لمن لا مؤهلات لديهم لتطبيق القاعدة الشهيرة (خالف تعرف) سعياً لتعويض مشاعر النقص عبر تصرفات صادمة، وعرض فاضح للخصوصيات، ويساعدهم في ذلك صعود فئة (المثقف المزيف) الذي يتاجر بالمبادئ سعياً وراء المال والشهرة، مما يخدم أجندات العولمة الثقافية التي تسعى لسلخ المجتمعات من جذورها عبر تسمية السلوكيات القبيحة بأسماء براقة وجذابة.
لأجل ذلك يبرز الأمن الفكري كضرورة قصوى لحماية العقول. وهو مفهوم يتجاوز المنظور الأمني التقليدي ليشمل الوقاية والحوار المباشر لمقارعة الحجة بالحجة وتقييم الأفكار المنحرفة وتصحيحها وصولاً إلى المساءلة القانونية لمن يصر على إيذاء المجتمع، ومن ثمّ العلاج والإصلاح لمن انحرف فكره ليعود لبنة صالحة.
إن فكرنا الراسخ يقوم على ثلاث مرتكزات: هي الدين والدولة والأسرة، وهي المرتكزات التي يحاول الخصوم تفكيكها بجعل الدين شأناً معزولاً، وتحويل الأسرة من نظام ولاية ورحمة إلى مجرد وصاية مؤقتة تنتهي بالبلوغ. ولكن عندما يمتلك الفرد قضية حقيقية تنموية ضمن جهود مجتمعية، فإنه حتماً سيختفي هذا الفراغ الوجودي، ويدرك أن النجاح ليس في ملاحقة المعجبين، بل في ترك أثر نافع لنفسه وأسرته ووطنه، وهو فخور بهويته ودينه وعاداته الأصيلة.