د. خالد بن سالم الحربي
لا أعلم إن كان هناك موظف لم يعش ذلك الوضع الاستثنائي، حين تتحول المكاتب الهادئة فجأة إلى خلية نحل، وتُعلَن حالة الطوارئ القصوى، وكأن إعصاراً سيدخل المبنى: «المدير قادم في زيارة».تُعلَّق اللوحات وتُنظَّف الممرات، وتُزيَّن المداخل بالورود والأزهار، وتختفي الأوراق المبعثرة في الأدراج. وتقوم الإدارة المختصة بإعداد التقارير بمخاطبة جميع الإدارات وطلب البيانات بشكل عاجل جداً لإعداد العروض التقديمية، وكأنها تُحضر لحفل تسليم جوائز الأوسكار. موظفو العلاقات العامة يهرولون ذهاباً وإياباً للتأكد من برنامج الزيارة، وتجهيز طلبات «خاصة جداً» لحضرة المدير. تبدأ الزيارة بجولة في الممرات، يليها اجتماعات تُعرَض فيها إنجازات مُزَيَّنة بأرقام ورسوم بيانية ملونة. ينتهي الأمر بغداء عمل فاخر، وتُلتقط الصور التذكارية، ثم يرحل الضيف الكبير مثنياً على الجهود المميزة والعمل الرائع، تاركاً خلفه أعمالاً متراكمة، وفريقاً منهكاً، وبرنامجاً أسبوعياً مشوهاً.
العجيب أن الجميع يعرفون الحقيقة، فمعظم زيارات سعادته لا ينتج عنها أي فائدة؛ فلا قرارات إستراتيجية، ولا حل مشكلات عميقة، ولا إضافة قيمة حقيقية. وإنما هي طقوس إدارية، تشبه العروض المسرحية التي يُعاد تمثيلها بشكل دوري، بهدف إظهار الاهتمام وتعزيز التواصل نظرياً. ثلاثة أيام من الإعداد لزيارته، ويومان للتعافي، أعمال متعثرة، وطاقات مستنزفة. موظفون أُشغِلوا عن مهامهم الأساسية بالتحضير لاستقباله، وآخرون انقطعوا عن اتخاذ القرارات اليومية، وإدارة العلاقات العامة تحولت إلى «إدارة الاستقبال الفاخر» بدلاً من بناء مؤسسة حقيقية. التواصل بين القائد والموظفين أمر لا بد منه، فهو من صلب العمل الإداري الفعّال. لكن المطلوب هو تحويل هذه الزيارات من عروض استعراضية إلى لقاءات حقيقية، وجلسات استماع لأصوات الموظفين، ومناقشات للمشكلات العملية، وحلول سريعة للعوائق اليومية. زيارة يختفي فيها التكلف، ويظهر فيها الجوهر. عندما تُلغى في زيارة المدير اللافتات الترحيبية، وتُستبدل بنقاشات صريحة، وعندما لا تنظف الممرات أكثر من المعتاد، لأن نظافة مكاتبنا من ثقافتنا اليومية، وعندما يخرج المدير بخطة عمل ملموسة، لا بباقة من الصور التذكارية.
حينها فقط، ستتحول زيارة سعادته من مناسبة تُعطل العمل إلى فرصة لتطويره.