زياد الجارد
تُقاس كفاءة سلاسل الإمداد بمدى تكامل عناصرها، لا بسرعة النقل أو حجم الموانئ فقط، بل تمتد إلى كيفية تقييم المخاطر المرتبطة بها. فالممرات تمثل مسارات الحركة، بينما تحدد نماذج التقييم اتجاهها، وحين تنفصل هذه النماذج عن الواقع التشغيلي، تنشأ فجوة تعيق الاستفادة من البنية التحتية، وتدفع سلاسل الإمداد إلى خيارات أكثر تكلفة دون مبرر حقيقي.
ومع تركز تسعير المخاطر في عدد محدود من الأسواق، نجد أهمية تنويع مصادر التقييم، بما يعزز مرونة سلاسل الإمداد ويقلل من الاعتماد على قراءة واحدة للمخاطر، قد تصدر أحياناً من مناطق بعيدة عن الواقع التشغيلي.
كما أن توافر قدرات تشغيلية وأمنية متقدمة في بعض الممرات الحيوية يمثل عنصراً إضافياً في تقييم المخاطر، قد لا ينعكس دائماً بشكل كامل في النماذج العالمية عند إجراء التقييم، وهو ما يفتح المجال لتطوير أدوات تأخذ هذه المعطيات في الاعتبار، وتقدم قراءة أكثر توازناً للواقع.
وتشير بعض التجارب الدولية إلى أهمية هذا التكامل، فقد أسست اليابان شركة طوكيو مارين في عام 1879 لتأمين تجارتها البحرية، وتوسعت معها عالمياً لتصبح جزءاً من منظومة دعم التجارة، وهو ما يعكس إدراكاً بأن إدارة المخاطر ليست خدمة مساندة، بل جزء من صناعة التجارة، وأحد أدوات ضمان استمرارية سلاسل الإمداد.
وفي تجربة أخرى عملت الصين على بناء منظومة مترابطة تجمع بين الخدمات اللوجستية والمالية وإدارة المخاطر، بما يعزز قدرتها على دعم تدفق تجارتها، وتقليل الاعتماد على مراكز التقييم الخارجية، وبناء قدرات أكثر استقلالية في هذا المجال.
وفي ضوء موقع المملكة العربية السعودية، ودورها كمحور لوجستي استراتيجي في المنطقة، فإن تبني رؤية وطنية لامتلاك أدوات تقييم يُعد ركيزة أساسية تتماشى مع الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية، وذلك من خلال تطوير قدرات متخصصة أو بناء شراكات نوعية، بما يسهم في تقليل الفجوة بين الواقع والتقييم، ويعزز من كفاءة واستمرارية سلاسل الإمداد، خاصة في أوقات الاضطراب والتحديات، ضمن منظومة أكثر تكاملاً تربط بين البنية التحتية وأدواتها المالية والتأمينية.
فسلاسل الإمداد لا تتعطل لغياب الممرات بقدر ما تتعطل لغياب الثقة في سلامتها، وهو ما يجعل القدرة على تعزيز هذه الثقة عنصراً هاماً وحاسماً في استمرارية الملاحة، والمملكة أدركت ذلك وجهزت المطلوب منذ وقت طويل، وطورته مع الإعلان عن الرؤية كأحد مستهدفاتها.