د.عيد بن حجيج الفايدي
لم تكن الجامعة، في أي حقبة من حقب التاريخ، مجرد مؤسسة لنقل المعرفة أو توظيف الكفاءات؛ بل كانت دومًا الفضاء الذي تتشكّل فيه الأسئلة العلمية الكبرى، وتُختبر فيه الإجابات الجريئة، ويُصاغ فيه وعي المجتمع لكل أمة. الجامعة الحقيقية ليست مبانيها ولا ميزانياتها، بل هي تلك اللحظة الفريدة التي يلتقي فيها عقل معلّم متأمل بعقل طالب متساءل، فيتولّد عن هذا اللقاء شيء لم يكن موجودًا من قبل.
ولعل أبلغ ما يدل على عمق هذه الرسالة أن أعرق نماذج الجامعات لم تنشأ استجابةً لمتطلبات سوق العمل، بل نبعت من إلحاح معرفي وطلب للعلم خالص. فجامعة القرويين في فاس منذ عام 859م، وجامعة الأزهر في القاهرة منذ عام 972م، وجامعة الزيتونة في تونس منذ القرن الثامن الميلادي - هذه المؤسسات الثلاث لم تكن مدارس دينية بالمعنى الضيق، بل كانت ملتقيات معرفية علمية مفتوحة تناقش فيها المذاهب الفقهية والعلوم الشرعية والرياضية والطبيعية، في نموذج يسبق بقرون ما أُطلق عليه لاحقًا اسم «الجامعة الشاملة» فهي جامعات نشأت للعلم والتعلم ولم يكن لمن يعلم أو يتعلم أي هدف مادي. وحين نشأت جامعة بولونيا عام 1088م وجامعة أكسفورد في القرن الثاني عشر الميلادي، فإن البذور التي نضجت فيها لم تكن بعيدة عن تلك الروافد الحضارية التي أوصلها المترجمون والرحالة عبر الأندلس وصقلية والشام.
غير أن تلك البداية للجامعة لا تعني أنها ظلت بمنأى عن التحولات؛ إذ مع ظهور النهضة الصناعية الحديثة وتصاعد متطلبات التصنيع والتخصص، أخذت الجامعة تنزاح تدريجيًا من موقعها كـ«مجتمع العلماء» نحو موقعها كـ«مصنع الكفاءات»، وهو انزياح لم يكن ضرورةً حتميةً، بل كان خيارًا وطلبا اقتصاديًا ترتّب عليه كثيرٌ من التغيرات الهيكلية بالجامعات.. ومن ذلك، ظهرت التصنيفات الجامعية في النصف الثاني من القرن العشرين بوصفها أداةً بسيطة لمساعدة الطلاب على اختيار وجهتهم التعليمية. وكانت البداية إعلامية محلية، تمثّلت في تصنيفات «U.S. News الجزيرة World Report» الأمريكية التي انطلقت عام 1983م. ثم تحوّلت الصورة نحو المنافسة العالمية، لا سيما بعد أن أطلقت جامعة شنغهاي جياو تونغ تصنيفها الأكاديمي عام 2003م، والذي جاء في أصله لمقارنة الجامعات الصينية بنظيراتها الغربية، قبل أن يتحول إلى مرجعية مهيمنة. ولحق به تصنيف QS وتصنيف «Times Higher Education»، لتُشكّل هذه المنظومة الثلاثية ما بات يُعرف بـ«الثلاثي الكبير» في عالم التصنيف الجامعي.
والإشكالية الجوهرية ليست في وجود التصنيفات ذاته، فهي أدوات مشروعة للمقارنة ورسم الاتجاهات. بيد أن الإشكالية تكمن في ما طرأ على هذه الأدوات من تحول في الطبيعة والوظيفة؛ فقد انتقلت من كونها مرايا تعكس أداء الجامعات إلى كونها مصادر قوة تُشكّل هذا الأداء وتوجّهه. وهذا هو جوهر التناقض: أن تكون الجهة المُقيِّمة مستفيدةً ماليًا من تحسين نتائج المُقيَّمين، فيتداخل دور المحكّم ودور المستشار في علاقة تجارية متشعبة تُضعف مصداقية الطرفين. والأخطر من ذلك هو ما بات يُعرف في الأدبيات الأكاديمية بـ«قانون غودهارت»: حين يتحول المؤشر إلى هدف، يفقد قيمته كمؤشر. وهذا بالضبط ما حدث مع التصنيفات؛ فبعض الجامعات باتت تُعيد هيكلة أقسامها وتُوجّه ميزانياتها البحثية وتُصمّم سياسات التوظيف لديها، لا وفق ما تقتضيه رسالتها المعرفية، بل وفق ما تُمليه متطلبات التصنيف. وفي هذا انقلاب صامت: الجامعة تخدم التصنيف بدلاً من أن يخدمها.
ولا تُوجد التصنيفات من فراغ، بل تقيس أشياء يمكن قياسها، وتُهمل أشياء يصعب قياسها. وهذا التمييز التقني يحمل في طياته تحيزًا معرفيًا عميقًا. فالمعايير السائدة في معظم التصنيفات الكبرى تتمحور حول عدد الأبحاث المنشورة في المجلات العلمية المفهرسة، وعدد الاستشهادات، ونسبة أعضاء هيئة التدريس إلى الطلاب، وسمعة المؤسسة في استطلاعات رأي أقران أكاديميين. وهذه المعايير تُنتج جملةً من الإشكاليات البنيوية: فمعظم المجلات العلمية المحسوبة في التصنيفات ناطقة بالإنجليزية، مما يُجحف بالجامعات التي تعمل في سياقات لغوية وثقافية مختلفة بصرف النظر عن عمق إنتاجها المعرفي. كما أن التصنيفات تعدّ الأبحاث ولا تزنها، في حين أن دراسةً واحدة تُحدث تحولاً في مجالها تساوي في أثرها مئةَ ورقة بحثية عادية. ولا تُقاس جودة الخريج الذي يُسهم في نهضة مجتمعه، ولا أثر البحث في السياسات العامة، ولا قدرة الجامعة على تحريك الوعي النقدي لدى طلابها. يُضاف إلى ذلك أن الجامعات التقنية الإقليمية والجامعات الإنسانية المتخصصة والكليات الجماعية الخدمية -وكلها نماذج مشروعة ومتباينة- تُقاس بمسطرة واحدة لا تصلح لكل قياس.
يدخل الذكاء الاصطناعي في هذه المعادلة لا بوصفه حلاً سحريًا، بل بوصفه قوة تحويلية مزدوجة: قادرة على تعميق إشكاليات القياس الحالية إذا استُخدمت بلا وعي، وقادرة على تجاوزها إذا وُظِّفت بحكمة. فعلى صعيد الإمكانات، يتيح الذكاء الاصطناعي تحليل الأثر الحقيقي للإنتاج البحثي لا مجرد إحصاء حجمه، إذ يمكنه تتبع كيف تنتقل الأفكار من الأوراق البحثية إلى السياسات والصناعات والمجتمعات.
كذلك يمكنه رصد أنماط «التضخم البحثي» -أي الإنتاج الذي يُعيد تكرار ما هو معروف بصياغات مختلفة- وتمييزه من الإسهامات الأصيلة. ويذهب بعض الباحثين إلى أن أنظمة تحليل اللغة المتقدمة باتت قادرة على تقييم جودة التجربة التعليمية من خلال تحليل نتائج تعلم الطلاب عبر الزمن، بما يتجاوز نتائج الاختبارات إلى مؤشرات التفكير النقدي والقدرة التحليلية. غير أن هذه الإمكانات لا تنفك عن مخاطر موازية؛ فأنظمة الذكاء الاصطناعي تعكس في نتائجها تحيزات بياناتها التدريبية، ولو بُنيت نماذج التقييم على بيانات تاريخية تُفضّل أنواعًا بعينها من الجامعات فإن الناتج سيُرسّخ هذا التفضيل لا يصحّحه.
ومن أبرز ما يُعيد الذكاء الاصطناعي رسمه في هذا المشهد إمكانية كسر الاحتكار المنهجي الذي تتمتع به شركات التصنيف الكبرى، إذ أصبح بمقدور الجامعات والحكومات بناء نماذج تقييم مستقلة تعكس أولوياتها وسياقاتها، دون الحاجة إلى الخضوع لمعايير جاهزة استُوردت من سياقات مغايرة.
وفي خضم نقاش التصنيفات والتقنية، يظل الاعتماد الأكاديمي الوجه الأقل بريقًا والأكثر صموداً في منظومة ضمان جودة التعليم العالي. فالاعتماد لا يسعى إلى ترتيب الجامعات في سلّم متسلسل، بل يسعى إلى التحقق من أن كل مؤسسة تفي بمعايير الجودة الضرورية في برامجها وكوادرها وبنيتها المؤسسية وآليات محاسبتها الداخلية. والفارق بين التصنيف والاعتماد فارق معرفي قبل أن يكون تقنيًا: التصنيف يسأل «أين تقع هذه الجامعة على السلّم؟»، بينما يسأل الاعتماد «هل هذه الجامعة تفعل ما ينبغي أن تفعله؟».
والسؤال الثاني أكثر عمقًا وأقرب إلى جوهر العملية التعليمية. بيد أن الاعتماد بوضعه الراهن يعاني من محدودية تقليدية، إذ يعتمد على دورات مراجعة متباعدة قد تفصل بينها سنوات تتغير خلالها أحوال المؤسسة تغيرًا جذريًا. وهنا يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُحوّل الاعتماد من لقطة دورية إلى متابعة مستمرة تعتمد على مؤشرات حية تُطوّر صورة تراكمية متجددة عن المؤسسة، بدلاً من التقارير الرسمية المُعدَّة للمناسبة. ولا يمكن النظر إلى هذه القضايا بمعزل عن السياق الإقليمي الذي تعمل فيه بعض الجامعات التي تواجه معضلة مزدوجة: ضغط التصنيفات الدولية التي صُمّمت في سياقات ثقافية واقتصادية مختلفة، وغياب بدائل إقليمية راسخة ومصداقة. وهنا يبرز الدور المحتمل لهيئات من قبيل مكتب التربية العربي لدول الخليج وهيئات الاعتماد الوطنية في مختلف الدول العربية.
غير أن هذا الدور يستلزم رؤية استراتيجية واضحة، لا مجرد استيراد معايير جاهزة وترجمتها إلى العربية. الأسئلة الجوهرية التي ينبغي أن تُوجّه هذه الرؤية هي: ما النموذج التنموي الذي تسعى مجتمعاتنا إلى بنائه؟ وما دور الجامعة في الإسهام في نهضة هذا النموذج؟ وكيف نُصمّم أدوات قياس تُعبّر عن هذه الطموحات لا تُعارضها؟ إن بناء نموذج تقييم عربي يستند إلى أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة ليس ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة سيادية؛ فالذي يملك أدوات القياس يملك في نهاية المطاف القدرة على تعريف النجاح وتحديد اتجاهات الاستثمار في رأس المال البشري.
التصنيفات ليست شراً مطلقًا، كما أنها ليست خيرًا صافيًا. هي أدوات بشرية تحمل عيوب صانعيها وانحيازات سياقاتها، والحكمة في التعامل معها تكمن في التمييز الدقيق بين ما تقيسه وما تزعم قياسه، وبين ما نستخدمها من أجله وما ينبغي ألا نستخدمها من أجله. إن الجامعة التي تُعيد تعريف رسالتها استجابةً لمتطلبات تصنيف تفقد شيئًا من روحها حتى لو تقدمت في الترتيب، والجامعة التي تتعامى عن التقييم والمقارنة تُغامر بالانفصال عن محيطها المعرفي. المطلوب إذًا ليس الاختيار بين الخيارين، بل بناء نضج مؤسسي يُتيح الاستفادة من أدوات التقييم دون الاستسلام لها. في ظل الذكاء الاصطناعي والبيانات المفتوحة وتنامي القدرات التحليلية، تتشكّل فرصة تاريخية لإعادة تعريف ما نعنيه حين نقول «جامعة ناجحة»؛ فرصة لن تتحقق تلقائيًا، بل تستلزم إرادة سياسية وأكاديمية وثقافية لبناء معايير تُعبّر عن الطموحات الوطنية لا عن طموحات الغير.
الجامعة في أصلها مشروع حضاري يشارك في بناء الإنسان، وهذا المشروع الكبير لا يُختزل في رقم حسابي داخل جدول ترتيب للجامعات.