د. طلال الحربي
في مدينةٍ لا تنام، تجري بين جنباتها أنهارٌ من الطموح والإرادة، وتتشابك مساراتها بين الأصالة والحداثة، يقف الأمير محمد بن عبدالرحمن بن عبدالعزيز آل سعود نائبًا لأمير منطقة الرياض، حاملًا من الإرث التاريخي لهذه المدينة ما يجعل حضوره امتدادًا طبيعيًا لسلسلة القيادة الرشيدة التي صاغت ملامح العاصمة على مر العقود.
وليس من قبيل المصادفة أن تختار القيادة الرشيدة للرياض أميراً ونائباً لها بعينها؛ فقد أرسى الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- للمنطقة قواعد راسخة وأنظمة محكمة، تجعل من إمارة الرياض بيتًا مفتوحًا للجميع دون استثناء، تُرسّخ مبدأ القرب من المواطن وإزالة الحواجز بين القيادة والناس، وهو ما وجد في الأمير محمد بن عبدالرحمن تجسيدًا صادقًا وممارسةً يومية لا تتوقف عند حدود البروتوكول.
ولمن يتأمل المسيرة، يدرك أن الأمير محمد بن عبدالرحمن نهل من معين عميق. فقد نشأ في كنف والده الأمير الراحل عبدالرحمن بن عبدالعزيز -رحمه الله- ذلك الرجل الذي طبعت سيرته نموذج الأمير المخلص، إذ تقلّد طوال مسيرته مناصب جسيمة أدّاها بروح الواجب الديني والوطني، ملتزمًا في كل محطة بالخدمة خدمةَ من يعلم أنه محاسب عليها. ومن رحل بذر في من بقي بذور الإحساس بالمسؤولية، وأن الإمارة ليست مقامًا يُتمتّع به بل أمانة يُضطلع بها.
وقد تتلمذ سموّه على يدي تجربة ثرية ؛ فكر وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- في بناء الإنسان وتمكين الشباب وتجديد مؤسسات الدولة من القاعدة إلى القمة، وخبرة الأمير فيصل بن بندر أمير منطقة الرياض في إدارة عاصمة تتصاعد وتيرة نموّها سنة بعد سنة دون أن تفقد هويتها وإنسانيتها. فجاء الأمير محمد بن عبدالرحمن جامعًا بين الانتماء الحضاري لمدرسة ولي العهد في التحديث والتمكين، وبين الانتماء الوجداني لتقاليد العمل الميداني الذي يضع المواطن في قلب كل قرار.
وما يميّز سموّه أنه لم يتخذ من الحضور الرسمي مظهرًا بلاغيًا، بل جعل منه أسلوب حياة. فهو دائم الحضور في المناسبات والاحتفالات الوطنية، يشارك المواطنين أفراحهم كما يشاركهم في أحزانهم، لأنه يعلم أن للقائد روحًا ينبغي أن تتنفس في وسط الناس. ولعل أبلغ تجليّات هذا التوجه تلك الجلسات الأسبوعية المنتظمة التي يعقدها سموّه في مجلس الإمارة مرتين في الأسبوع، ليكون الباب مفتوحًا لكل من تعتصر قلبه حاجة أو يُضيّق صدره همٌّ. وفي هذا المجلس تجد المشهد في أبهى صوره: سموّه يستمع، والكلّ يتكلم، الكبير والصغير والشاب والكهل، والإنصات ليس مجاملةً، بل التزامًا فعليًا يُعقبه توجيهٌ نحو الحل.
وحول سموّه كوكبةٌ من الشباب المؤهل والمؤمن برؤية 2030، من مدير مكتبه إلى مدير مراسمه ورئيس خوياه ومن يشتغلون معه في مفاصل العمل اليومي، مكّنهم سموّه ثقةً كاملة فكانوا عند حسن ظنّه، يُيسّرون على المراجعين سبل الوصول ويُجسّدون في أدق التفاصيل توجيهات سموّه، كما لو أن رؤية الأمير سرت في أعمالهم فأضحت ثقافةً مؤسسية لا مجرد تعليمات.
إن الرياض اليوم بأميرها فيصل بن بندر ليست مجرد عاصمة تتوسع عمرانًا، بل هي مشروع حضاري متكامل يُعاد تشكيل روحه وهويته. وفي هذا المشروع يمثّل الأمير محمد بن عبدالرحمن صلةَ الوصل الحيّة بين الموروث الأميري العريق وروح رؤية 2030 المتطلعة إلى الأمام، رجلٌ من رجال الدولة يؤمن أن الحكم رسالة، وأن خير المناصب ما أخدم فيه ديني ثم مليكي ووطني وما أخدم فيه الإنسان.