فائز بن سلمان الحمدي
في زمنٍ تتكاثر فيه الفتن، وتزدحم فيه الحياة بضجيجها حتى أثقلت القلوب بالوحشة، يبقى القرآن وحده ذلك النور الذي إذا دخل القلب أحياه، وإذا سكن الروح طهَّرها، وإذا جرى على اللسان بدَّد ظلمات العمر. وحين نتحدث عن جمعيات تحفيظ القرآن الكريم، فإننا لا نتحدث عن مؤسساتٍ تعليمية فحسب، بل عن مواطن تُصنع فيها الأرواح، وتُبنى فيها النفوس على الإيمان والسكينة واليقين. وهذا المعنى العظيم يتجلَّى في اهتمام القيادة الرشيدة، وإشادة سمو ولي العهد بجمعيات تحفيظ القرآن الكريم، انطلاقًا من الإيمان بأن القرآن أساس بناء الإنسان، وأن غرس القيم في النفوس أعظم من تشييد البنيان. فالعناية بحلقات القرآن ليست دعمًا لنشاطٍ تعليمي فحسب، بل رعايةٌ لهوية الوطن وروحه، وصناعةٌ لجيلٍ مرتبطٍ بكتاب الله، معتزٍّ بدينه ووطنه.
هناك، في تلك الحلقات المتواضعة، تجلس طفولةٌ بريئة تتهجّى كلام الله بقلوبٍ أنقى من المطر. ترى الصغير يكرر الآية حتى يستقيم لسانه بها، ثم تشرق ابتسامته فرحًا لأنه نطق بكلام الرحمن كما ينبغي. وترى المعلّم وقد أفنى عمره بين الألواح والمصاحف، يجلس الساعات الطويلة لا يطلب شهرةً ولا مالًا، وإنما يرجو أجرًا يبقى له بعد الرحيل. أيُّ تجارةٍ أعظم من أن يزرع الإنسان القرآن في صدر غيره؟ إن الجمعيات القرآنية لا تحفظ الحروف فقط، بل تحفظ القلوب من الضياع، وتحمي الأبناء من الفراغ والتيه، في وقتٍ تتسابق فيه المغريات لاختطاف عقول الناشئة وأرواحهم. تغدو حلقات القرآن سفن نجاة، تلتقطهم قبل أن تبتلعهم أمواج الحياة. وما أعظم المشهد حين ترى طفلًا يحتضن المصحف كأنه يحمل الدنيا كلّها، أو تسمع أمًّا تبكي فرحًا لأن ابنها أتمّ حفظ كتاب الله. تلك لحظات لا تصنعها الماديات مهما بلغت؛ لأنها نفحاتٌ من السماء يهبها الله لأهل القرآن. وكم من شابٍّ أعاده القرآن إلى الطريق بعد ضياع، وكم من بيتٍ أضاءه حافظٌ صغير فامتلأ سكينةً وطمأنينة.
وحين تمتلئ المدن بأصوات التلاوة، يشعر المؤمن أن الأرض ما زالت بخير، وكأن القرآن يربّت على هذا الوطن ويحفظه من الفتن. فما دامت حلقات القرآن عامرةً بكلام الله، فسيبقى فيها نورٌ لا تستطيع ظلمات الدنيا أن تطفئه.
إن أعظم ما تصنعه هذه الجمعيات أنها تبني الإنسان قبل البنيان، وتغرس في النفوس مراقبة الله والصدق والطهر والرحمة. فالقرآن لا يصنع حافظًا فحسب، بل يصنع قلبًا حيًّا، وإذا حييت القلوب استقامت الحياة.
سلامٌ على المعلّمين الذين أفنوا أعمارهم في تعليم كتاب الله، وسلامٌ على المحسنين الذين أنفقوا ليبقى القرآن حيًّا في صدور الأبناء، وسلامٌ على الآباء والأمهات الذين دفعوا أبناءهم إلى مجالس القرآن يرجون لهم النجاة قبل النجاح. فالأمة التي تحفظ القرآن يحفظها الله، والوطن الذي يُرفع فيه كلام الله يبقى ثابتًا مهما اشتدت العواصف. وما دام في الأرض طفلٌ يردد: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}، فسيظل نور السماء نازلًا على هذه البلاد، وسيبقى القرآن روحها التي لا تموت.