باسم سلامة القليطي
تطل علينا أيام عشر ذي الحجة كنفحة ربانية غالية، محملة بفرص التغيير والسمو الإيماني. هي ليست مجرد أرقام في تقويم العام، بل هي «أحب الأيام إلى الله» كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم، حيث تجتمع فيها أمهات العبادات التي لا تجتمع في غيرها. إنها دعوة مفتوحة لكل قلب يطمح للسكينة، وموسم استثنائي لمن يبحث عن مضاعفة الأجر، ففيها يغدو العمل الصالح أعظم شأناً عند الخالق سبحانه من الجهاد في سبيله، إلا لرجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع منهما بشيء.
تكتسب هذه الأيام قدسيتها من تفضيل الله لها، فهي الأيام المعلومات التي شرع فيها الذكر والشكر. والسر في هذا التفضيل يكمن في تكامل الطاعات؛ ففيها الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج. إن إدراك المسلم لقيمة هذا الزمن هو أول خطوة في طريق الاستفادة منه، فالمؤمن الحكيم يستقبلها بتوبة صادقة تجلي قلبه مما ران عليه من غفلة، متمثلاً قول النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرَّم عليه.
وفي زحمة الحياة، يحتاج الإنسان أحياناً إلى موسم يذكّره بأن قلبه أهم من كل شيء آخر. نحن ننشغل طوال العام بالأعمال والالتزامات والقلق والمشاكل الصغيرة، حتى تصبح أرواحنا مُرهقة دون أن نشعر. ثم تأتي هذه الأيام وكأنها استراحة روحية عظيمة؛ يعود فيها الإنسان للصلاة بهدوء، وللقرآن بحب، وللدعاء بقلب حاضر، لا كعادة يومية سريعة.
في مقدمة الأعمال الجليلة خلال هذه العشر، يبرز الحج والعمرة كأفضل ما يمكن للعبد أن يتقرب به إلى ربه؛ فالحج المبرور لا جزاء له إلا الجنة. أما لمن لم يُكتب له الوقوف بالمشاعر المقدسة، فإن الصيام يفتح له بابا واسعا من الأجر، وخاصة صيام يوم عرفة الذي احتسب النبي صلى الله عليه وسلم على الله أن يُكفِّر السنة التي قبله والتي بعده. إن الصيام في هذه الأيام هو ما اصطفاه الله لنفسه كما في الحديث القدسي: «الصوم لي وأنا أجزي به».
لا تخلو طُرقات المسلمين وبيوتهم في هذه العشر من ترانيم التوحيد، فالتكبير والذكر هما شعار هذا الموسم. لقد كان الصحابة كابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم يخرجون للأسواق يرفعون أصواتهم بالتكبير، ليذكِّروا الناس بعظمة الخالق تعالى. ويستحب لنا الاقتداء بهم عبر التكبير والتحميد والتهليل، مع الحرص على أن يُكبر كل واحد بمفرده كما هو هدي السلف.
يوم عرفة تحديدا يحمل شيئا مختلفا، شيئا لا يشبه بقية الأيام. يوم يشعر فيه الإنسان أن السماء أقرب من المعتاد، وأن الدعاء لا يصعد وحده، بل تصعد معه كل الآلام المؤجلة، وكل الأمنيات القديمة، وكل الخوف الذي خبأناه طويلاً خلف ابتساماتنا. في عرفة، لا يحتاج الإنسان أن يكون كاملا، ولا قويا، ولا صالحا بصورة مثالية، بل يحتاج فقط أن يكون صادقا. أن يرفع يديه كما هو، بكل ضعفه وتقصيره وارتباكه، ثم يقول: «يا رب»، وهو يعلم أن الله تعالى يسمعه.
وعندما يشرق فجر يوم النحر، تتجلى عبادة الأضحية كسنة مؤكدة تعيد إحياء ذكرى تضحية نبي الله إبراهيم عليه السلام. إنها فرصة للبذل وإدخال السرور، مقتدين بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي ضحى بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده. ومن الآداب المتصلة بها أن من أراد التضحية فليُمسك عن شعره وأظفاره منذ رؤية هلال ذي الحجة حتى يضحي، تعظيما لهذه الشعيرة.
ويكتمل بهاء هذا الموسم بالحرص على شهود صلاة العيد وحضور خطبتها، لتكتمل الفرحة بروحانية الاجتماع والاتصال بالله. إن العيد في جوهره محطة شكر وامتنان، وميدان لعمل البر وصلة الأرحام، فمن الجميل أن يتوج المسلم طاعاته في العشر بوقار العيد وبهجته النظيفة. ولنحذر أن تشوب هذه الفرحة المظاهر التي تخدش حياء الروح أو تلهي عن ذكر الله، فالمؤمن يرتقي ببهجته لتبقى ثمار عبادته يانعة ومقبولة، بعيدا عن الصخب الذي قد يُذهب بأثر تلك الأيام المباركة.
ختاماً، عشر ذي الحجة ليست مجرد أيام فاضلة نقرأ عن فضلها ثم ننساها، بل فرصة نادرة لإعادة بناء الداخل. ربما لا تتغير الحياة كلها في عشرة أيام، لكن قد يتغير قلب كامل، وهذا يكفي. الإنسان لا يحتاج دائما إلى بداية ضخمة، أحيانا تكفيه نية صادقة، وتسبيحة في وقت هادئ، ودمعة لا يراها أحد، ليبدأ طريقا جديدا مع الله عزَّ وجلَّ.