عبدالعزيز صالح الصالح
في مثل هذه الأيام المباركة من كل عام تهفو قلوب المسلمين قاطبة إلى هذه الأراضي المقدسة حيث تشد لها الرحال، ويفد إليها كل عام من شتى أنحاء العالم أعداد كبيرة ليؤدوا مناسك الحج امتثالاً لقول الله عز وجل: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} سورة آل عمران آية (97).
حتى يكتمل لديهم الركن الخامس من الإسلام، كما قال نبي الرحمة محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه - بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان) رواه البخاري ومسلم.
حيث تلتقي الحشود المؤمنة في زمن واحد وفي وقت واحد ولباس واحد تحت راية التوحيد -لا إله إلا الله حتى يكونوا أعضاء في ذلك المؤتمر السنوي الذي يشهده المسلمون كل عام- كما قال الباري عز وجل: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} سورة الحج الآيتان (27-28).
فهذا المؤتمر بدأ منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يعتبر أول مؤتمر في دنيا الدبلوماسية، وذلك من أجل حل مشاكل العالم، ومن أجل سيادة السلام وانتشار الإسلام، وعمار الدنيا وخير الحياة.. فقد جاء في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المؤتمر الكبير قائلاً: أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد..
فالحج من أرقى العبادات، والعبادة خلالها تثاب بأرقى الدرجات.. وصدق الصادق المصدوق فيما رواه عنه عبدالله بن عمر: الحجاج والعمار وفد الله، إن سألوا أعطوا، وإن دعوا أجيبوا، وإن أنفقوا أخلف عليهم، والذي نفس محمد بيده ما أهل مهلل ولا كبر مكبر على شرف من الأشراف، إلا هلل ما بين يديه وكبر تكبيراً حتى يتقطع التراب).
حيث إن مشاعر الحج تعرف المسلم بأخيه المسلم، وتشرك المسلم مع المسلم في التجارب لدعوة الله تعالى، وهي دعوة الإخاء والتعاون، ودعوة المسلم لمن يسالم المسلمين، ودعوة رد الاعتداء لمن يعتدي على المسلمين.
فالمسلمون يستمدون القيم والمبادئ من كتاب الله الكريم وسنة نبيه - محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه فقد قال الباري عز وجل: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} سورة الأنفال آية (46).
وقال تعالى: {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} سورة المائدة الآيتان (15-16).
فإن كتاب الله الكريم قد استنارت به الدنيا، وهو الكتاب الذي أسعد البشرية قاطبة.. ويقول الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه الكريم: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} سورة الإسراء آية (9).
فإن تعارف المسلمين فيما بينهم في هذه المناسبة العظيمة وسيلة على اتحاد كلمتهم وتعاونهم على ما يرفع شأنهم.. قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} سورة الحجرات آية (10).
وقال جل جلاله: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} سورة الأنبياء آية (92).
وقد جمع الله للحج حرمتين، حرمة الزمان والمكان، ليقوى الشعور بحرمة هذا الركن العظيم، وجلاله وروعته، والشعور بالمسؤولية، وليكون الحاج في جميع تنقلاته وحركاته وسكناته مرهف الحس، حاضر الفكر، لا يذهل لحظة عن الجو الروحاني الذي يحيط به ..
وفي الختام - على كل حاج يفد إلى بيت الله الحرام أن يتذكر بأنه يمثل بلده، ويجب عليه أن يتحلى بآداب الإسلام وأن يقتدى بهدي نبيه العظيم وأخلاقه العالية فإنه يعطى صورة ناصعة عن أهله وبلده وصفحة مشرفة عن دينه وفهمه لإسلامه، وبذلك يساهم مساهمة فعالة في تأدية هذه المناسك بانتظام وهدوء وخير عميم وشاعرنا الذي لا يباري.. قائلاً:
وقفت بين يدي مولاي ملتمساً
غفران ذنبي بحق النون والقلم
وقفت وقفة عبد خاضع كثرت
آثامه فبكى حزناً من الألم
وقفت أدعو وأدعو أن يوفقني
ربي لطاعته في خدمة الأمم
كما دعوت إلهي أن يجنبني
والمتقين جميعاً وقدة الحمم