عبدالوهاب الفايز
«إنَّ تركيا ليست دولةً هامشيةً تقع على أطراف الحضارات، بل هي دولةٌ مركزيةٌ تتوسَّط نظماً إقليمية متعددة؛ ومن يمتلك هذه المركزية الجغرافية ويُحسن توظيفها لا يحتاج إلى التساؤل عن موقعه في النظام الدولي.» أحمد داوود أوغلو، (العمق الإستراتيجي).
***
مازلت أتذكر القراءات المتعددة لكتاب أحمد داوود أوغلو رئيس وزراء تركيا السابق «العمق الإستراتيجي» حين صدر عام 2001، يومها بدت رؤيته لضرورة الشراكة بين تركيا ودول الخليج ضرباً من التنظير الأكاديمي الذي لا تسنده شواهد الواقع. كانت سوريا الأسد موصَدة، والعراق يرزح تحت الحصار، والخليج وأوروبا يتواصلان غالبا عبر البحر.
لكنَّ داوود أوغلو كان يرى ما لا تراه الخرائط السياسية المؤقتة: أن التضاريس لا تتغير، وأن للممرات التجارية ذاكرة تفوق عمر الأنظمة وأمد النزاعات.
والآن، بعد ربع قرن، تجتمع تركيا وسوريا والأردن والمملكة العربية السعودية لإحياء (ممر بري وسكة حديد) تربط الخليج بأوروبا عبر المشرق. وهناك جهود - إذا وافقت إيران - لإنشاء (طريق التنمية) بين العراق وتركيا. الجغرافيا لم تتغير، لكنَّ موازين القوى التي كانت تحول دون تحوُّل هذه الجغرافيا إلى حقيقة اقتصادية قد تبدَّلت. وتلك هي المعادلة التي يكشفها هذا المشروع في جوهره: الجغرافيا الاقتصادية صبورة.
لفهم العائق الحقيقي أمام هذا الممر، لا بدَّ من العودة إلى خريطة الطاقة الأوروبية. فأوروبا التي كانت تعتمد على الغاز الروسي كانت تعطي موسكو قوة وأداةَ نفوذ لا يُستهان بها. وأي ممر يُسهل وصول الغاز الخليجي إلى السوق الأوروبية عبر طريق بري أقل تكلفةً من الشحن البحري، كان يعني تآكلاً مباشراً لهذه الورقة.
وقد تجلَّت هذه المعادلة حين ضغطت روسيا على دمشق عام 2009 لرفض مقترح قطري لإنشاء أنبوب غاز عبر أراضيها نحو أوروبا. وقد سمعنا هذه الرغبة القطرية مباشرةً من الشيخ حمد بن جبر آل ثاني في لقاء مع رؤساء تحرير الصحف السعودية خلال زيارة الأمير سلطان بن عبد العزيز رحمه الله لقطر في مارس 2008م، موضحاً أن مشروع نقل الغاز القطري سيُفيد دول المجلس ويُخفِّض تكلفة تصديره.
وحين اندلعت الحرب السورية عام 2011، رأينا تطبيقات إستراتيجية الطاقة الروسية في شرق المتوسط. فقد جاء التدخل العسكري الروسي عام 2015 ليُعيد رسم المشهد. روسيا حينها ساقت مبررات متعددة لتدخلها، لكنَّ المنطق الأعمق يكشف أن إبقاء الفوضى السورية كان يُحقق هدفاً بالغ الأهمية: إغلاق الممر البري وإحباط أي مسعى لتحويل سوريا إلى جسر بديل لتصدير الغاز والنفط للأسواق الأوروبية. حجم هذا القلق الروسي ليس له مبرر، فقطر لا تُورِّد إلى أوروبا سوى خمسة بالمئة من حاجتها للغاز. مستقبلا نتمنى ان تتغير الإسترتيجية الروسية وتتعامل بإيجابية مع المشروع الخليجي التركي الجديد، فهذا سيكون الهيكل الجيوسياسي الذي يُمكِّن من تشييد أنابيب الغاز الإقليمية مستقبلاً، وتوسيع منافع صناعة الطاقة لشعوب المنطقة، وهذا هو البُعد الايجابي الذي يتجاوز نسبة الخمسة بالمئة.
الآن، الأزمة في مضيق هرمز تجعل ما كان تخطيطاً إستراتيجياً مُؤجَّلاً يتحول إلى (أولوية وطنية خليجية) عاجلة. الممر الذي تعبر منه نحو خُمس صادرات النفط العالمية بات متقطعاً وغير آمن، فانتقلت دول المنطقة من التفكير إلى التنفيذ. أعلن وزير التجارة التركي إطلاق حركة عبور تجاري برية مع المملكة العربية السعودية، ووقَّعت تركيا وسوريا والأردن مذكرة تفاهم ثلاثية لتطوير شبكات النقل البري والسكك الحديدية بهدف إنشاء ممر متكامل بين الخليج وجنوب أوروبا.
وفي هذا السياق الضاغط، جاءت القمة الصينية الأمريكية الأخيرة لتُضيف بُعداً جديداً إلى المشهد. فقد أبدت الصين اهتماماً صريحاً بشراء النفط الأمريكي بديلاً عن اعتمادها على النفط الإيراني المتأثر بإغلاق هرمز، واتفق الطرفان على إطار للعلاقة عنوانه «الاستقرار الاستراتيجي البنَّاء» يمتد لثلاث سنوات. وما يعنيه ذلك للممر اللوجستي هو أن بكين باتت طرفاً ذا مصلحة مباشرة في حماية الملاحة في المضيق وتحقيق الاستقرار الإقليمي، وهذا يُزيل عائقاً صامتاً طالما أربك حسابات هذا الممر؛ فالمستثمر الصيني طبيعي ان يُحجم عن الانخراط في تمويل بنية تحتية قد تتحوَّل إلى ساحة لصراع القوى الكبرى.
قبيل قمة بكين بأيام، استضافت أنقرة الاجتماع الثالث لمجلس التنسيق السعودي- التركي، الذي ترأَّسه وزيري خارجية البلدين في أعلى مستوى دبلوماسي يشهده هذا الإطار منذ تأسيسه عام 2016. وأبرز مخرجاته: بروتوكول تعزيز التجارة والاستثمار في البنية التحتية والطاقة، واتفاقية إعفاء من التأشيرة لحاملي الجوازات الدبلوماسية، وتعاون في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والدفاع المشترك. والتجارة البينية بلغت 8.5 مليار دولار نهاية 2025 مع استهداف عشرة مليارات في المدى القريب.
والايجابي تسارع دورات المجلس، وهذا نراه مؤشر يتجاوز الرغبة لتحسُّن العلاقات الثنائية، بل هو أكبرك؛ إنه انعكاسٌ لتحوُّل جوهري في الرؤية الاستراتيجية المشتركة. فالرياض وأنقرة تتطلعان إلى بناء تحالف يتجاوز التجارة لتشمل الأمن والتسليح والطاقة والاتصال اللوجستي. ففي ملف الدفاع، تطورت العلاقة من صفقة المسيَّرات عام 2023 إلى مشروعات مشتركة في التصنيع العسكري.
والممر الاقتصادي الذي نتطلع اليه تتجاوز منافعه النفط والغاز. ففي حال اكتماله سيُولِّد قيمةً اقتصادية مستقلة. فعلى صعيد تبادل السلع التجارية.
تقع دول الخليج في مسار الاستيراد الكثيف من أوروبا. ويعني الممر البري تخفيضاً جوهرياً في تكاليف الشحن وفي أوقات التسليم؛ إذ إن المسافة من الرياض إلى أوروبا الوسطى براً عبر الأردن وسوريا وتركيا تقارب نصف ما تستغرقه دورة رحلة الشحن البحري حول الجزيرة العربية عبر البحر الأحمر وقناة السويس. وهذا الفارق في الزمن واللوجستي يُغيِّر معادلة الجدوى لصناعات بأكملها، في مقدمتها الصناعات الغذائية والدوائية وقطع الغيار والسلع الاستهلاكية المتوسطة.
وعلى صعيد الأمن الغذائي، يمكن لهذا الممر أن يُعيد رسم خريطة سلاسل الإمداد الزراعي في المنطقة. فدول الخليج التي تستورد قرابة 80 % من غذائها أدركت منذ جائحة كوفيد أن الاعتماد على الشحن البحري الطويل يعد ضعفا إسترتيجيا خطيرا. لذا، الممر البري يُتيح وصولاً أسرع وأقل تكلفةً إلى القمح التركي والخضروات الأردنية والمنتجات الأوروبية، مع إمكانية بناء مخازن ومراكز تبريد إستراتيجية على طول المسار تُعيد تعريف مفهوم الاحتياطي الغذائي الخليجي.
وفي ما يخص الصناعات التحويلية، تسعى المملكة في إطار مستهدفات رؤية 2030 إلى التحول من تصدير المواد الخام إلى تصدير المنتجات الصناعية. وهذا التحوُّل يحتاج ممرات تصدير برية إلى الأسواق الكبرى بتكلفة تنافسية. فالبتروكيماويات السعودية والإماراتية والأسمدة والمواد الإنشائية وصناعات المعادن، كلها قطاعات يمكن أن تُصبح أكثر قدرةً على المنافسة في السوق الأوروبية حين تنخفض تكلفة الوصول إليها.
أما القطاع الذي يُغفله كثير من المحللين فهو السياحة والتنقل البشري. فالممر لن يكون طريقاً للبضائع وحدها؛ الطلب الخفي على السياحة البينية بين دول المسار - من السعودية والخليج إلى تركيا وأوروبا - ضخمٌ ومتنامٍ. وبناء شبكة سكك حديد عالية السرعة تربط الرياض بإسطنبول يُتيح من حيث المبدأ قطع المسافة في ما دون ثمان وأربعين ساعة، وهو ما سيُحوِّل أنماط السفر ويُنشئ اقتصادات محلية في كل مدينة تقع على المسار، من العقبة إلى دمشق فحلب ثم أضنة.
والأهم من ذلك كله هو ما يمكن تسميته باقتصاد الممر نفسه. فكل بنية تحتية من هذا الحجم تُنتج حولها مجموعة من الأنشطة المُولِّدة للدخل: مناطق لوجستية، ومستودعات، وخدمات جمركية وتأمينية، وشركات شحن وتتبُّع، وطاقة متجددة تُغذِّي المسار، وشبكات اتصال رقمي تمتد على آلاف الكيلومترات. وتجربة دول آسيا الوسطى المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق الصينية تُظهر أن الممر يُنشئ (كتلةً اقتصادية) مستقلة تتجاوز في عائداتها ما كان مُخططاً له في البداية.
بالنسبة لدول المنطقة، إنه مشروع يملك في طياته إمكانية إعادة تعريف موقع المنطقة في سلاسل القيمة العالمية؛ من هامش مُصدِّر للخام إلى حلقة اتصال بين قارتين مهمتين للتجارة العالمية تمر عبرها الطاقة ويتدفق فيها رأس المال البشري.
ونعيد السؤال الأهم: هل تتحمل نزعة الهيمنة لدى إسرائيل قيام هذا الممر الاقتصادي الحيوي، وما هي الآليات والأدوات وعملاء النفوذ الذين سوف تستخدمهم لاجهاضه؟ هل تواصل إشعال الوضع السوري واللعب بورقة الطائفية؟ أيضا هل تسمح حكومة الملالي في إيران للعراق بشراكة إستراتيجية مع تركيا لإنشاء ممر التنمية.
المفارقة العجيبة أن إيران وإسرائيل يختلفان في كل شيء.. ولكن يتفقان على تخريب المصالح العربية، وخدمة المشروع الإسرائيلي!