يمثل اعتداء «القرامطة» على قوافل الحجاج المتجهة إلى مكة المكرمة من الكوفة، ونهبها عام 312هـ (924م) بداية بروز حوادث الاعتداء على قوافل الحجاج، تلا ذلك قيامهم في عام 317هـ (908م) بقيادة سليمان بن الحسن بن بهرام الجنابي الهجري، المعروف بأبو طاهر القرمطي، باقتلاع الحجر الأسود وقتل الحجاج وهم محرمون في المجزرة التي قيل أن قتلاها في مكة المكرمة بلغوا نحو ثلاثين ألف قتيل، ويومها وقف أبو طاهر القرمطي -قبح الله وجهه- على عتبة الكعبة المشرفة وقال:
أنا بالله، وبالله أنا
يخلق الخلق، وأفنيهم أنا
ولم تكن تلك الحادثة هي الأخيرة فقد تواصلت عمليات الاعتداء على قوافل الحجاج التي قام بها قطاع الطرق واعتبروها فرصة لجمع الغنائم ونيل المكاسب، وكانت حادثة قافلة الحج الشامي عام (1171هـ/ 1757م) التي تعرضت فيها أكبر القوافل العثمانية لهجوم عنيف من قبل تحالف قبلي أدى إلى مقتل ونهب معظم أفراد القافلة.
وتناول الرحالة الأندلسي ابن جبير، أثناء أدائه لفريضة الحج مشاق السفر، ومواجهة خطر «قطاع الطرق»، وذكر ذلك في مذكراته الشهيرة المعروفة بـ«رحلة ابن جبير»، موضحاً أن الخوف من قطاع الطرق كان هاجساً يسيطر على الحجاج.
وصف الرحالة المغربي أبو عبد الله محمد العبدري الذي حج عام 1289م في كتابه رحلة العبدري المعروفة بـ(الرحلة المغربية) بأنهم «أشد خلق الله ضرراً، وأكثرهم جرأة، وأقلهم حياءً ومروءة، وأوضعهم نفوسا»، وأشرس الناس، مبرزاً المعاناة الشديدة التي تعرض لها الحجاج والمسافرون.
كما سجلت اعتداءات على قوافل الحجاج اليمنيين خلال الفترة من 1196-1211هـ، والعديد من الحوادث المأساوية، ومنها حادثة قافلة الحج الشامي عام 1757م، التي أودت بحياة قرابة 20 ألف حاج.
وذكرت بعض المصادر التاريخية أن قوافل الحجاج التي لديها حراسات من العسكر في مقدمتها ومؤخرتها لها طرق محددة تسلكها، وجدول زمني محدد، وعند مرورها بأراضي قبيلة معينة عليها أن تدفع الرسوم التي كانت تسمى بالإتاوة، تكون مقابل الحماية من قطّاع الطرق داخل حدود القبيلة، وقد أشار إليها المستشرق الألماني جون وايلد الذي دخل مكة عام 1012هـ/ 1604م بقوله: «إن معاناة الحجاج متعددة، فمنها الخوف من قطاع الطرق الذين كانوا يتربصون بالحجاج وقوافلهم لأخذ الإتاوات حتى يسمح للقوافل بالمرور، وإن تجاوزوهم وجدوا غيرهم يسلبون أمتعتهم وأموالهم، لذلك كان الحجاج لا يمشون فرادى، بل جماعات نتيجة لغياب الأمن، ولم تكن مخاطر الحج منحصرة على قطاع الطرق وحدها، بل كانت الطرق التي يسلكها الحجاج محفوفة بمخاطر السيول والأمطار».
وفي كتاب «الأعمال الخيرية الكويتية في موسم الحج»، إشارة إلى تسبب قطاع الطرق وعمليات السلب والنهب والقتل للحجاج الكويتيين، في «توقف رحلات الحجاج الكويتيين لبعض السنوات، وقيل بحسب نصوص الدراسات التي أعدها الباحثون الكويتيون، ووردت بكتب الرحالة والمؤرخين، أنه في عام 1778 تعرض الحجاج لعمليات نهب، وفي العام 1798 عاد حجاج الكويت دون أن يكملوا رحلاتهم لمكة المكرمة والمدينة المنورة.
ومما يُروى أيضاً، أنه في عام 1845 خرج حجاج من بلاد فارس والبحرين والكويت وغير ذلك من البلدان، باتجاه مكة والمدينة لأداء مناسك الحج، وبرغم أنه كان هناك من يرافقهم للحراسة، إلا أنه خرجت عليهم أعداد كبيرة من قطاع الطرق، وتعرضت قافلتهم للنهب وقتل الكثير من الحجاج، ومن تمكنوا من النجاة بأرواحهم من الحجاج ماتوا جوعا وعطشا في الصحراء، ثم أخرج الإمام فيصل جيشاً كبيراً من الرياض، تبعه جيش متعب بن عبدالله الرشيد أمير حائل لمحاربة قطاع الطرق والقضاء عليهم».
وذكر ضابط المخابرات الروسي عبدالعزيز دولشتين في كتابه (كتاب الرحلة السرية للعقيد الروسي عبدالعزيز دولشتين إلى الحجاز سنة 1898-1899م)، «أساليب وسبل حركة الحج في الحجاز، وخصائص ظروف المواصلات، والقافلة والركب، البدو وعمليات النهب والاعتداء»، وأشار إلى قطاع الطرق بقوله: «سمعتُ بين الناس شتى الإشاعات والمخاوف عن هجوم البدو؛ اليوم سلبوا أحد الحُجاج 5 ليرات، وقتلوا آخر وأخذوا 40 ليرة، في حضوري جاء جندي وأبلغ الضابط أن رفيقه الذي راح معه من جدة إلى مكة قتلوه بالحجارة».
وأورد قائد المحمل المصري إبراهيم رفعت في كتابه (مرآة الحرمين) غياب الأمن بقوله:- «إن من كان يريد زيارة جبل النور، وهو جبل قريب من المسجد الحرام يوجد به غار حراء، أن يحمل معه الماء الكافي، وأن يكون الحجاج على شكل جماعات يحملون السلاح حتى يدافعوا عن أنفسهم من اللصوص الذين يتربصون بهم لسلب أمتعتهم».
ويقول أيضاً: «إن سلطات ذلك الزمان التابعة للدولة العثمانية كانت تقف موقف المتفرج من هذه الفوضى وإيذاء الناس والحجاج، حتى إنه حدث قتال في مكة ليلة وصلنا من منى إلى مكة بين الأعراب أمام ديوان الحكومة، دون أن يبالوا بها، وقد قتل في تلك المعركة ثمانية أشخاص».
وأكد هذا الفريق أحمد مصطفى يغمور مدير الأمن العام خلال الفترة من 1380-1386هـ في كتاب الأمن في عهد الملك عبدالعزيز للأستاذ إبراهيم العتيبي بقوله: «إن كبار السن كانوا يروون له أنه قبل العهد السعودي كان الأمن في المشاعر المقدسة والطرق المؤدية إليها معدومًا لدرجة أن سكان حارة (جرول) في مكة المكرمة لا يقدرون على الذهاب لحارة (الباب) إلا بشكل جماعي خوفًا من الاعتداء عليهم».
وترجم أمير الشعراء أحمد شوقي فقدان الأمن في الحجاز وتعرض قوافل الحجيج للسلب والنهب ببقوله:
ضَجَّ الحِجازُ وَضَجَّ البَيتُ وَالحَرَمُ
وَاِستَصرَخَت رَبَّها في مَكَّةَ الأُمَمُ
قَد مَسَّها في حِماكَ الضُرُّ فَاِقضِ لَها
خَليفَةَ اللَهِ أَنتَ السَيِّدُ الحَكَمُ
ومن الأسباب الرئيسية لانتشار قطاع الطرق كما أوضح ذلك العديد من الرحالة والمؤرخون، ضعف الإمكانات لدى الإدارة المركزية، فالكثير من الولاة والحكام لم يكونوا يملكون القدرة على مواجهة قطاع الطرق، إضافة إلى الاضطرابات والفتن والتي سجلها الرحالة ابن بطوطة وابن جبير موضحين تأثيرها على أمن الحجيج، كما لعب الفقر دورا قويا في بروز قطاع الطرق، وهو ما برز في فرض الإتاوات القبلية.
جهود الملك عبدالعزيز في حفظ الأمن في الحجاز
ويمكن القول أن البداية الحقيقية لتنظيم خدمات الحجاج وتوفير الأمن والأمان لهم كانت عام 1343هـ وتحديدا يوم الخميس 7 جمادى الأولى 1343هـ بعد أن ضم الملك عبد العزيز الحجاز، إذ أعلن -طيب الله ثراه- بحضور الأهالي ورؤساء القبائل والعشائر أن العمل في حرم الله سيكون بما في كتاب الله وسنة نبيه، فلا يحل في هذه البلاد إلا ما أحله الله، ولا يحرم فيها إلا ما حرمه، وأكد أنه سيضرب بيد من حديد وبلا رحمة ولا شفقة على كل من تسول له نفسه العبث بالأمن أو محاولة تعكير صفوه، وركز بصفة خاصة على توفير الأمن والطمأنينة لحجاج بيت الله الحرام في جميع المشاعر والطرقات المؤدية إليها.
وأوردت الباحثة اريج بنت محسن العوفي في دراستها بعنوان «جهود الملك عبدالعزيز في حفظ الأمن في الحجاز (1344-1373هـ/ 1925-1953م)»، التي نشرها كرسي الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود لدراسة تاريخ مكة المكرمة، الظروف الأمنية التي عاشتها منطقة الحجاز قبل عهد الملك عبدالعزيز، وحالة الحجاز بعد دخول الملك عبدالعزيز، والإصلاحات التي قام بها لتحسين أوضاع المنطقة.
وبعد دخوله -رحمه الله- للحجاز تم تأسيس مديرية عامة للشرطة في مكة المكرمة تُربط بنائبه في الحجاز تهتم بتوطيد الأمن في ربوع البلاد المقدسة وتأمين أمن الحجاج، اطمأن الحجاج على أرواحهم وممتلكاتهم، وتمكنت القوافل الناقلة للحجاج من القدوم دون خوف أو قلق.
واستتباب الأمن في بداية عهد الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- أورده أمير البيان شكيب أرسلان في كتابه (الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف)، قائلاً: «إنه ما إن تأسست الدولة السعودية ودخل الملك عبدالعزيز -يرحمه الله- مكة المكرمة، والذي كان همه الأول بسط الأمن وتأمين طرق الحجاج، حتى عم الأمن والأمان ربوع المملكة العربية السعودية، لا سيما منطقة مكة المكرمة والمدينة المنورة».
وأضاف: «لو لم يكن من مآثر الحكم السعودي سوى هذه الأمنة الشاملة الوارفة الظلال على الأرواح والأموال التي جعلت صحاري الحجاز وفيافي نجد، آمن من شوارع الحواضر الأوروبية، لكان ذلك كافياً في استجلاب القلوب واستنطاق الألسن في الثناء عليه».
ووصف الرحالة والأديب محيي الدين رضا في كتابه «رحلتي إلى الحجاز» الأحوال الأمنية في عام 1353هـ، وهو العام الذي حج فيه إذ قال: «إنه حدث تغير كبير في حال قطاع الطريق واللصوص الذين كانوا يتربصون بالحجاج في العهود السابقة، حيث أصبحوا في عهد -ابن سعود- أقرب إلى الانضباط وعدم الاعتداء على الحجاج فإذا سار الحاج وحده في تلك الصحاري بلا رفيق ولم يشأ أن يعطي أحداً من المتسولين فلا يجرؤ أحدهم أن ينال من الحاج شيئا ولا يمد يده بسوء».
فيما ذكر الدكتور عباس متولي حمادة أستاذ الشريعة بكلية حقوق القاهرة، في كتابه (مشاهداتي في الحجاز) ما شاهده ولمسه من استتباب الأمن والأمان، قائلا: أنه بعد أن تعطلت بهم السيارة في الطريق من مكة المكرمة الى المدينة المنورة: «جاء بعض الأعراب يطلبون إحساناً، فتقدم إلي أحدهم يطلب مني صدقة فأعطيت غيره متظاهراً بالغنى والثراء، فقال: أعطني يا حاج، فقلت خذ ما تريد من جيبي!
فقال: حرام عليك وما جنيت؟ أتريد قطع يدي لا يا بوي لا أطلب شيئاً، فقلت: إننا في عزلة عنهم (يقصد بذلك الحكومة)، فازداد الرجل إصراراً فدهشت لهذا ورددت قول سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه (إن الله ليزع بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن) وأعطيته ما تيسر، ولقد مكثنا في مكاننا إلى ساعة متأخرة من الليل، أحضروا أثناءها الماء واللبن وأكرموا وفادتنا من غير أن يتعرض أحد منهم لنا بسوء».
ويقول: «استتباب الأمن بهذا الشكل لم يوجد في الحجاز إلا بعد تنفيذ شريعة الله، وإقامة حدوده».
تلك كانت حالة الحجاز وما تعرض له حجاج بيت الله الحرام قبل تأسيس المملكة العربية السعودية، ثم استتباب الأمن في عهد الملك المؤسس الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه.
واليوم في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظهم الله- أصبح حجاج بيت الله الحرام يتمتعون بأمن وأمان وراحة واطمئنان، من خلال خطط وبرامج ومبادرات وزارة الداخلية التي يعمل صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف آل سعود، وزير الداخلية على مناقشتها ومتابعة تنفيذها ليتمكن ضيوف الرحمن من أداء نسكهم بيسر وسهولة من خلال مشاركة كافة قطاعات وزارة الداخلية.
وتأتي قيادة قوات أمن الحج كجهة أمنية عليا تتولى مسؤولة تنفيذ خطط أمن وسلامة ضيوف الرحمن في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، والقيادة الإشراف على إدارة الحشود، وتنظيم حركة المرور، مكافحة المخالفين، وتطبيق الأنظمة عبر منظومة متكاملة من القطاعات العسكرية، موظفة أحدث التقنيات الأمنية وأنظمة الذكاء الاصطناعي لمتابعة الحالة الأمنية وإدارة الحشود، وأخر المستجدات الأمنية.
وفي الختام نقرأ امتداح الشاعر محمد بن علي السنوسي للأمن والطمأنينة التي يتمتع بها الحجاج، فيقول:
حجٌ كما شاءت نفوس الورى
مبرأٌ من كل عيبٍ وذامْ
في كل شبر من رحاب الهدى
يرفرف الأمن ويجري النظامْ
** **
- أحمد صالح حلبي
ahmad.s.a@hotmail.com
@ashalabi1380