لمن لا يعرفني حق المعرفة، أو من تذهب بهم ظنونهم بعيداً عن الحقيقة، أقول إني ربما أكون من نوادر الشعراء الذين لا يكتبون لمجرد الكتابة، بل بدافعٍ حقيقي، فحين تكتنفني سحائب مزن البوح، أغمس قلمي في محبرة حزني، أو فرحي، لتهمي حروفي قصائداً، حبرها الحقيقي هو تلك المشاعر الصادقة التي تقرأونها بين حين وآخر.
فأنا لم أمدح أحداً يوماً ما، ولم أرثِ آخر، إلا وكان وراء ما أكتبه شعورٌ يدفعني إلى ذلك، لا أعرف سره، ولا أقدر على وصفه.
هذا الشعور هو المحفز الذي يدفعني لأن أكتب، وهذا الكلام أقوله لمن يعتقدون أني أمدح أو أرثي لأسباب أخرى.
ولعلي قد أحسست بهذه الحالة حين قمنا بالصلاة على الخال الشيخ محمد بن سعد المهنا -غفر الله له وأسكنه فسيح جناته- ورأيت جموع المصلين، فقد داهمني شيء من ذلك الشعور، ولكنه لم يكن كافياً لأكتب، وبعد خروجي من المسجد برفقة شقيقي أبي نايف متجهين إلى رغبة، تلبية لدعوة الوجيه الكريم ابن العم الشيخ عبدالله بن فهد العجلان، دار بيني وبين شقيقي حديث عن الخال الفقيد، غفر الله له ولوالدينا ووالديهم وجميع المسلمين.
لم أكن أعرفه حق المعرفة رغم وشائج القربى، فقد كنت أراه -رحمه الله- في المناسبات، أقبل رأسه لكبر سنه، ومنزلته، ولكوني أشم من خلاله عبق والدتي، غفر الله لهما ولجميع المسلمين.
عند وفاة والدتي -رحمها الله- وجمعني بها في الفردوس الأعلى، لم أكن سوى طفلٍ رضيعٍ لم يدرك حاسة الشم بعد، لكني بعدما كبرت صرت أشم رائحتها في كل من له صلة بها من قريبٍ أو من بعيد، أو هكذا خُيّل إلي.
حدثني شقيقي عن بعضٍ من مآثر الخال أبي عبدالله -رحمه الله- تلك التي لم أسمع بها من قبل، فلست ممن يحرصون على تسقط أخبار خلق الله بكثرة السؤال، ولا بتصديق كل ما يقال، وإنما من خلال الحقائق التي أراها بعيني، أو أسمعها من ثقاة الرجال.
لكننا بعد أن قطعنا نصف مشوارنا أو أقل تقريباً، ونحن نتحدث عنه -غفر الله له- قال لي إن هنالك كتاباً إلكترونياً عنه، ثم بحث عنه في جواله فوجده وأرسله إليّ.
عند عودتي، بدأت في قراءة الكتاب الذي كان سرداً لحياته -رحمه الله- منذ طفولته وعوزه وفقره، وتحمله ما لا يتحمله طفل في عمره، مروراً بشبابه وكفاحه، إلى تحوله فيما بعد الشباب -بتوفيق الله- إلى عقاري يشار له بالبنان.
الكتاب قام بجمع مادته وتوثيقه ابنه سعد -حفظه الله- وحين بدأت القراءة وجدت فيه الكثير من المواقف التي تُذكر فتُشكر، لكني قبل إتمام قراءته، قمت مع شقيقي أيضاً بالذهاب لمنزله -رحمه الله- للتعزية، وهي المرة الأولى التي أدخل فيها ذلك المنزل، حينها تمنيت لو أن الأيام تعود للوراء لأزوره وهو بين أبنائه فيه بكامل عافيته لأتعرف عليه أكثر، وهناك شاهدت جموع المعزين الذين توافدوا عليه، وعلمت يقيناً أن هؤلاء جاءوا تقديراً لرجلٍ يستحق التقدير.
ثم إني بعد ذلك عدت لإكمال ما بقي من صفحات الكتاب، وتأكدت من أن هذه المواقف التي ذكرت فيه لا تصدر إلا من رجلٍ فريدٍ عرف الله أولاً، ثم عرف قدر والديه وشقيقه، بل قدر كل من تعامل معهم في حياته، فكسب الرهان في كل موقف.
وحين قررت أن أكتب وضعت في ذهني كل تلك المآثر التي قرأتها في الكتاب لكي أقيم قصيدتي في تأبينه -رحمه الله- عليها.
الصدق في التعامل، والنية الطيبة، والبر في أسمى معانيه، والتسامح الحقيقي في أروع صوره، كل هذه وأكثر مزايا تميز بها -رحمه الله رحمة الأبرار- وأنزله منزلة الشهداء الأخيار. إنها صفات المؤمن الحق، ذلك السمح الذي ينطبق عليه الحديث الشريف:( رحم الله امرءاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى ).
لقد ربح البيع ورب الكعبة، فهنيئاً له حين يقابل ربه بكل هذه المزايا.
يا والله اللي حط في القبر رجّال
ويا والله اللي راح واف الخصايل
ويا والله اللي غيّب الموت شيّال
يا كثر ما شالت يديه الثقايل
هلوا عليه الترب بعصير عجّال
وراحو مثل فيٍّ عن القبر زايل
ابن مهنا الشمري ترثة رمال
أهل السطر والمرجله والفعايل
ولد السعد زين النبا سمح الاقبال
فخر الشيوخ معربين السلايل
محمد ولا بمحمد الجود ينقال
غير الثنا من كاسبين الجمايل
الطيب ورثه من عمامه والاخوال
حمايلٍ يا طيبها من حمايل
والجود يبرا له مثل خل وظلال
متلازمينٍ مثل شمر وحايل
له وقفةٍ ما وقفها غير ريبال
بالمرجله والطايله والفضايل
وله سيرةٍ لو هي تدرس للاجيال
يا كم فيها من شهود ودلايل
ومكابدٍ دنياه في كل الأحوال
ما بين خسران وركود وحصايل
يجرها من عقب الاقفاي باقبال
بعزم الرجال الواثقين الصمايل
شيخٍ نعده بالوفا مضرب امثال
لا شك في مثله تصاغ المثايل
والراحل اللي خلّف سلوم وعيال
ما مات لو هلّوا عليه النثايل
يحيون ذكره بالمكارم والافضال
ويبرّكون من العزوم الرحايل
يا الله عسى قبره من الجال للجال
يسقيه ربي من صدوق المخايل
** **
- محمد بن سعد العجلان