عبدالرحمن الحضري
صديقي «القديم» وأقصد بالقديم هنا، ذلك المتمسك بأفكاره العتيقة، والذي تعجز عن زحزحته أعتى رياح التغيير.. أقول: سافر صديقي القديم ذات مرة من مدينته عرعر في أقصى شمال المملكة إلى العاصمة الرياض لحضور دورة تدريبية.
الدورات في ذلك الزمن الجميل كانت طويلة، تحتسب أحيانًا بالشهر والشهرين، وقد تزيد. ومدفوعة التكاليف بالكامل؛ من تذاكر طيران، ومواصلات، وانتداب يحسب بعدد الأيام الفعلية، مضافًا إليها يومان قبل الدورة ويومان بعدها. وياليل ياعين!
وكان بعض المنتدبين «الحريّصين» يوفرون مبلغًا معتبرًا من المال ليجلبوا عند عودتهم الهدايا المفرحة للزوجة والأولاد، وربما امتد كرم الهدايا للجيران، وكل هذا من بركات دورات زمان!
كان صديقي القديم مرهف الحس، رقيق القلب، جياش المشاعر. تذكر في غربته زوجته المصون، فهام في الذكرى.. حتى جادت قريحته بقصيدة موزونة مقفاة، عصماء صماء، تكاد تسمع رنين أجراس موسيقاها من فرط شاعريتها. وزيادةً في الحرص على أن تخرج القصيدة بأبهى حلة، راح يقلّب أبياتها يومًا بعد يوم، يحذف ويضيف ويغربل، حتى وصلت إلى منتهى الإتقان والشاعرية مع انتهاء الدورة.
عاد صاحبنا إلى بيته أشعث أغبر تملؤه وعثاء السفر؛ لأنه ببساطة قرر العودة برًا لتوفير قيمة تذكرة الطائرة. وفور وصوله، وبُعيد السلام والسؤال عن الأحوال، تنحنح وقال بصوت الواثق الولهان: «يا أم فلان، لقد جلبت لكِ أجمل هدية.. قلت فيكِ ما لم يقله كُثيّر في عزة، ولا قيس في ليلى، ولا عنترة العبسي في عبلة»!
هنا.. تكسرت الرومانسية على صخرة الواقع، فرمقته بنظرة تختزل كل خيبات الأمل، ثم أدارت ظهرها وهي تتمتم بحنق: «هذا بدال الغوايش.. مالت عليك وعلى قيس»!
قبل سنوات سجلتُ حلقة لبرنامج إذاعي إبان عملي في إذاعة الرياض مع الصائغ علي عماشة من أهالي الطائف، يقول: يصنف الصاغةُ الزبائنَ بحسب مستوى التعليم؛ فالفتيات المتعلمات يحرصن على اقتناء الذهب عيار 18 فأقل، أما غير المتعلمات فيطلبن (غوايش دَقّة الجنزير، وأساور صَفّ الحجر) عيار 21 و24!
المعلومة هنا تحتاج شيئًا من التوضيح، فيشرح عماشة: كلما قلّ العيار، استطاع الصائغ تطويع الذهب وتشكيل موديلات ومشغولات أخّاذة منه. وكلما زاد العيار، يُكتفى بالقليل من الشغل، لأن الذهب الخالص شديد اللين سهل القطع، والتحكم في تفاصيله الدقيقة أمر بالغ الصعوبة، وعليه فإن الأطقم ثقيلة الوزن تكون مشغولة بذهب عيار 24 وهذا سر الطلب عليه. لأنه بالإضافة لوزنه الأثقل؛ فهو الأقل في دخول الكريستالات والفصوص والأحجار الكريمة عليه. ربما كانت زوجة صديقي القديم من الصنف الثاني الذي لا يملأ عينيه إلا عيار 24 الخالص، وربما أدرك صديقي سلفًا أنه لن يقوى على هذا العيار الثقيل، فآثر السلامة على ماله، وفضّل أن يضرب على وتر الشعر لعلها ترضى بالقصيدة وتنسى الذهب!
ما علينا..
مع بدء موسم الزواجات، وتأهب العرائس لاقتحام محلات الذهب، تذكرنَ أيتها الجميلات تصنيف الزبائن «إياه» ولإثبات وعيكن وثقافتكن العالية، أقترح عليكن ابتكار «ترند» جديد: شبكة ذهب خفيف ظريف عيار 9 بس!
العيار المنخفض هو الحل السحري لتتجنبي رؤية عريسك بمظهر الأشعث الأغبر، المهموم المديون، وبدل 12 غويشة دقة الجنزير، وأربع أساور صف الحجر.. خليهم أربع بناجر، وغنوا مع محمد عبده..
أربع بناجر في يد المزيون
توه ضحيّ العيد شاريها
ويا ذا الحمام اللي سجع بلحون
وش بك على عيني تبكيها
سلطنوا..