سعدون مطلق السوارج
على امتداد عقود طويلة، اعتاد الشرق الأوسط أن يقيس القوة بمعايير تقليدية ارتبطت بالجيوش والتحالفات والصراعات والنفوذ السياسي المباشر. وكانت المنطقة في كثير من الأحيان ساحة مفتوحة لتنافس المشاريع الإقليمية، حيث اعتقدت بعض القوى أن القدرة على التأثير تتعاظم كلما اتسعت دوائر التوتر والأزمات.
لكن السنوات الأخيرة كشفت عن تحول استراتيجي عميق لم تنجح كثير من التحليلات التقليدية في استيعاب أبعاده الكاملة. فقد بدأت معادلات القوة في الشرق الأوسط تتغير بصورة متسارعة، ليس بسبب حرب كبرى أو انقلاب في التحالفات الدولية، بل نتيجة صعود نموذج جديد أثبت أن التنمية والاقتصاد والاستقرار يمكن أن تكون أدوات نفوذ أكثر استدامة وتأثيراً من الصراعات الممتدة.
وفي قلب هذا التحول برزت دول الخليج العربي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، بوصفها نموذجاً مختلفاً في إدارة القوة وبناء المكانة الإقليمية والدولية.
لقد شهدت المنطقة خلال العقود الماضية تجارب عديدة رفعت شعارات المواجهة والتعبئة الأيديولوجية والتوسع عبر الأذرع والجماعات المسلحة. وقد حققت بعض هذه السياسات مكاسب تكتيكية مؤقتة، لكنها في المقابل تركت وراءها اقتصادات منهكة ومجتمعات تعاني من الاستنزاف وعدم الاستقرار، وأدخلت العديد من الدول في دوائر متكررة من الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية.
وفي المقابل اختارت دول الخليج مساراً مختلفاً يقوم على بناء الإنسان وتطوير الاقتصاد وتعزيز المؤسسات وتحديث البنية التحتية والانفتاح على الاقتصاد العالمي. وربما لم يكن هذا الخيار في بداياته يحظى بالاهتمام ذاته الذي تحظى به الأحداث الأمنية والصراعات السياسية، إلا أن نتائجه مع مرور الوقت أصبحت أكثر وضوحاً وتأثيراً من كثير من المشاريع التي استندت إلى منطق الصراع الدائم.
إن النفوذ الحقيقي لا يقاس فقط بالقدرة على إثارة الأزمات، بل بالقدرة على صناعة الفرص. والدولة التي تتحول إلى مركز استثماري وتجاري وتقني عالمي تمتلك في الواقع أدوات تأثير تتجاوز بكثير حدود النفوذ التقليدي. فالشركات العالمية والمؤسسات المالية والمستثمرون وشبكات التجارة الدولية جميعها تصبح معنية باستقرار تلك الدولة ونجاحها واستمرار نموها.
ومن هنا يمكن فهم التحول الكبير الذي تشهده المملكة العربية السعودية في إطار رؤية 2030. فالمملكة لا تنفذ برنامجاً اقتصادياً فحسب، بل تعيد بناء نموذج جديد للقوة في المنطقة. نموذج يقوم على التنويع الاقتصادي والاستثمار في رأس المال البشري والتقنية والابتكار والصناعات المستقبلية والسياحة والخدمات اللوجستية والطاقة المتقدمة.
لقد أصبحت المدن الجديدة والمشروعات العملاقة ومبادرات التحول الرقمي ومراكز الابتكار والاستثمار جزءاً من صورة المملكة الحديثة. وهذه الصورة لا تعكس نجاحاً اقتصادياً فقط، بل تعكس تحولاً في مفهوم النفوذ ذاته. فكل مشروع ناجح، وكل استثمار نوعي، وكل شراكة اقتصادية دولية، تضيف بعداً جديداً إلى مكانة الدولة وقدرتها على التأثير.
ولم تكن المملكة وحدها في هذا المسار. فقد عملت دول مجلس التعاون الخليجي على تطوير اقتصاداتها وتعزيز تنافسيتها العالمية وبناء بيئات أعمال أكثر جذباً للاستثمار. ومع مرور الوقت تحولت المنطقة الخليجية إلى واحدة من أكثر مناطق العالم قدرة على جذب رؤوس الأموال والمشروعات الدولية الكبرى.
وفي الوقت الذي كانت فيه بعض القوى الإقليمية تستنزف جزءاً كبيراً من مواردها في إدارة الأزمات والصراعات الممتدة، كانت دول الخليج تستثمر في المطارات والموانئ والمدن الذكية والجامعات ومراكز البحث العلمي وشبكات النقل والطاقة المتقدمة. وهنا بدأ الفارق الحقيقي في الظهور.
فالتاريخ يثبت أن النفوذ القائم على الأزمات غالباً ما يكون قصير العمر، بينما النفوذ الذي يستند إلى الاقتصاد والتنمية يمتلك قدرة أكبر على الاستمرار والتوسع. كما أن المجتمعات التي تنعم بالاستقرار وفرص العمل وتحسين جودة الحياة تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات وأقل عرضة للاهتزاز أمام المتغيرات الإقليمية.
ومن هنا فإن المقارنة بين النموذجين أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فمن جهة هناك نموذج يرى في التوترات المستمرة وسيلة للحفاظ على الحضور والنفوذ، ومن جهة أخرى هناك نموذج يراهن على التنمية والاقتصاد وبناء المستقبل. وبين النموذجين بدأت النتائج تتحدث عن نفسها دون حاجة إلى كثير من الشعارات.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الاستثمارات الضخمة، والمشروعات النوعية، وتطوير التعليم، وتبني التكنولوجيا الحديثة، وبناء اقتصادات متنوعة، تمثل أدوات قوة لا تقل أهمية عن أي أدوات تقليدية أخرى. بل إن هذه الأدوات أصبحت في كثير من الأحيان أكثر تأثيراً لأنها تنتج نفوذاً قائماً على المصالح المشتركة والازدهار والاستقرار.
كما أن التجربة الخليجية أثبتت أن الأمن والتنمية ليسا مسارين منفصلين، بل وجهان لمعادلة واحدة. فكلما تعززت التنمية تعزز الاستقرار، وكلما تعزز الاستقرار ازدادت قدرة الدولة على حماية مصالحها الوطنية وتعظيم دورها الإقليمي والدولي.
ولعل ما شهدته المنطقة من اعتداءات ومحاولات لزعزعة أمن بعض الدول الخليجية خلال السنوات الأخيرة يؤكد حقيقة أساسية، وهي أن منظومة مجلس التعاون الخليجي لم تعد مجرد إطار سياسي أو اقتصادي، بل أصبحت منظومة متكاملة تجمع بين الأمن والتنمية والتنسيق الاستراتيجي. وهذه المنظومة أثبتت قدرتها على تجاوز العديد من التحديات والحفاظ على استقرار المنطقة في أوقات شديدة التعقيد.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة. فالنموذج الذي يعتمد على الصراع بوصفه وسيلة دائمة لإنتاج النفوذ يواجه تحديات متزايدة، بينما يواصل النموذج التنموي الخليجي توسيع حضوره وتأثيره وقدرته على صناعة الفرص. ومع مرور الوقت تصبح المقارنة بين المسارين أكثر وضوحاً، ليس في الخطاب السياسي فحسب، بل في مؤشرات الاقتصاد والاستثمار والاستقرار وجودة الحياة.
وفي النهاية، فإن الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد، بل بما تنجح في تحويله من تلك الموارد إلى قيمة مضافة وقوة مستدامة ومكانة مؤثرة. وقد أثبتت التجربة الخليجية، وفي مقدمتها التجربة السعودية، أن الثروة الحقيقية لا تكمن في حجم الإمكانات وحده، بل في القدرة على توظيفها لبناء الإنسان وتطوير الاقتصاد وصناعة المستقبل. أما المشاريع التي راهنت لعقود على إدارة الأزمات وتغذية الصراعات وتوسيع دوائر التوتر، فقد اكتشفت أن الضجيج السياسي لا يصنع نهضة، وأن النفوذ الذي لا ينتج استقراراً وتنمية يبقى نفوذاً هشاً مهما بدا صاخباً. وهنا تتجلى الحقيقة التي تعيد رسم ملامح الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين: أن التنمية لم تعد مجرد وسيلة للوصول إلى القوة، بل أصبحت جوهر القوة نفسها، وأن المستقبل سيكون من نصيب الدول التي تبني وتبتكر وتنتج، لا تلك التي تستهلك طاقاتها في صراعات تستنزف الحاضر وتعجز عن صناعة الغد.
** **
- باحث في التراث الكويتي والخليجي