د. سامي بن عبدالله الدبيخي
سعدت بالتفاعل اللافت مع مقال (شوارعنا لا تشبه شوارعهم.. فلماذا نقيسها بمسطرتهم؟)، وهو تفاعل يعكس وعياً متنامياً بأهمية مساءلة المعايير قبل تبنيها.
وقد وردني على الخاص تساؤلات من بعض القراء مفادها أن مجتمعاتنا تضطر للعمل بالمقاييس الغربية لتتوافق مع مؤشرات الأداء الرئيسية الـ(KPIs) لجودة الحياة التي نسعى لتحقيقها.
وهنا لا بد من رفع هذا اللبس بتوضيح أن المسألة لا تتعلق برفض القياس في حد ذاته، بل برفض استيراد أدوات القياس التي لا تنتمي إلى سياقنا الحضاري والثقافي.
ذلك أن مؤشرات جودة الحياة ليست مجرد أدوات تقنية محايدة، بل هي نتاج تصورات فلسفية واجتماعية تحدد ما الذي يُعد (حياة جيدة). وعليه، فإن نقل هذه المؤشرات كما هي من بيئات غربية إلى مجتمعاتنا، دون تكييف أو مراجعة، يُفضي إلى نتائج قد تكون مضللة، لأنها تقيس ما لا نعُدّه أولوية، وتتجاهل ما نراه جوهرياً.
في المجتمعات الغربية، تُبنى جودة الحياة غالباً على مركزية الفرد، حيث تُقاس بمستوى الاستقلالية الشخصية والحرية الفردية والقدرة على تحقيق الذات بمعزل عن الروابط الاجتماعية واللحمة الأسرية. أما في مجتمعاتنا العربية، فإن جودة الحياة تتشكل داخل إطار جمعي، تلعب فيه الأسرة الممتدة، وصلة الرحم، وحسن الجوار أدواراً محورية في تحقيق الاستقرار النفسي والرضا الاجتماعي. وهذه الأبعاد، على أهميتها، لا تحظى بالوزن ذاته في كثير من المؤشرات الغربية.
كما أن الاختلاف يمتد إلى البعد القيمي والروحي، الذي يُعد عنصراً أساسياً في تشكيل مفهوم الرفاه لدينا. فبينما تميل بعض النماذج الغربية إلى ربط السعادة بالاستهلاك والمتعة اللحظية، تولي مجتمعاتنا أهمية أكبر لقيم السكينة والقناعة والتوازن الداخلي، وهي عناصر يصعب قياسها بمؤشرات تركز على الإنتاجية أو معدل الإنفاق أو الأنماط الاستهلاكية.
ومن زاوية أكثر عملية، يمكن ترجمة هذه الخصوصية إلى مؤشرات قابلة للقياس، تعكس واقعنا بدقة أكبر.
فعلى سبيل المثال، يمكن إدراج (مؤشر الترابط الأسري) الذي يقيس تواتر التواصل بين أفراد العائلة الممتدة، و(مؤشر جودة الجوار) الذي يرصد مستوى الثقة والتعاون بين السكان في الأحياء. كما يمكن تطوير (مؤشر الطمأنينة المجتمعية) الذي يجمع بين الشعور بالأمان النفسي والاستقرار الاجتماعي، وليس الأمن المادي فقط.
وفي جانب السكن، يمكن اعتماد (مؤشر الخصوصية السكنية) الذي يقيس مدى توافق تصميم المسكن مع احتياجات الخصوصية العائلية، إضافة إلى (مؤشر التوازن الحياتي) الذي يراعي توزيع الوقت بين العمل والحياة الأسرية والعبادات والأنشطة الاجتماعية.
كما يمكن إدراج (مؤشر الرضا القيمي) لقياس مدى توافق نمط الحياة مع القيم الدينية والثقافية للفرد.
إن الدعوة، في جوهرها، ليست إلى القطيعة مع التجارب العالمية أو رفض الاستفادة منها، بل إلى الانتقال من مرحلة النقل إلى مرحلة التكييف ثم الابتكار. فنحن بحاجة إلى تطوير مؤشرات تنبع من واقعنا، وتعكس أولوياتنا، وتترجم قيمنا إلى أدوات قياس قابلة للتطبيق.
كما لا يستقيم أن نقيس شوارعنا بمسطرة صُممت لمدن تختلف عنا في التخطيط والبيئة، لا يستقيم أيضاً أن نقيس جودة حياتنا بعدسة صيغت وفق منظومة قيمية مغايرة. إن التحدي الحقيقي يكمن في بناء معاييرنا الخاصة، التي توازن بين الانفتاح على العالم دون أن نذوب فيه، والاستلهام من مقاييسهم دون أن نفرط في خصوصيتنا، وبين الاستفادة من الخبرات العالمية وصياغة نموذج يعبر عنا بصدق.
فالمعيار الأجدر بالاتباع ليس ما يُشبه الآخرين، بل ما يُنصف واقعنا ويعبر عن ذواتنا ويعكس هويتنا.