د. عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
لم تكن حرب الأيام الستة في يونيو/ حزيران 1967م مجرد مواجهة عسكرية قصيرة غيَّرت موازين القوى في المنطقة، بل كانت حدثًا تأسيسيًا أعاد تشكيل الإدراك السياسي والإستراتيجي للشرق الأوسط بأكمله. فبعض الحروب تنتهي بتوقيع اتفاقيات، بينما تستمر أخرى في إعادة إنتاج آثارها لعقود طويلة، بحيث يصبح الزمن اللاحق امتدادًا غير مرئي لها. ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى عام 1967م باعتباره نقطة تحول تاريخية ما زالت ارتداداتها تتفاعل حتى اليوم.
لقد كشفت تلك الحرب أن الجغرافيا ليست عنصرًا ثابتًا كما تبدو على الخرائط، بل هي كيان سياسي متحرك يتغير بتغير موازين القوة والتكنولوجيا والاقتصاد والتحالفات الدولية. فالحدود التي تبدو مستقرة قد تتحول في لحظة تاريخية معينة إلى موضوع تفاوض أو نزاع أو إعادة تعريف.
ومنذ ذلك التاريخ دخل الشرق الأوسط مرحلة طويلة من إعادة التشكل الإستراتيجي، حيث تراجعت بعض القوى التقليدية وصعدت قوى جديدة، وظهرت تحالفات لم تكن متوقعة، وتبدلت أولويات الدول من الصراع العسكري المباشر إلى صراعات النفوذ والاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا.
إن قراءة المشهد الراهن تكشف أن المنطقة العربية تعيش اليوم مرحلة انتقالية عميقة تشبه إلى حد بعيد المراحل التي سبقت التحولات الكبرى في التاريخ العالمي. فالأزمات المتراكمة لم تعد أزمات منفصلة، بل أصبحت حلقات مترابطة ضمن عملية إعادة تشكيل واسعة للنظام الإقليمي.
وفي التحليل الجيوسياسي المعاصر لم تعد القوة العسكرية وحدها هي المحدد الأساسي لمكانة الدول، بل أصبحت عناصر الاقتصاد الرقمي، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والممرات البحرية، والتحكم في سلاسل الإمداد العالمية جزءًا أساسيًا من معادلة النفوذ.
ولذلك فإن الصراع الحقيقي في الشرق الأوسط لم يعد يدور فقط حول الأرض، بل حول الموقع الإستراتيجي للأرض، وحول الموانئ والمضائق وخطوط التجارة والطاقة والبيانات.
إن المنطقة الممتدة من الخليج العربي إلى شرق البحر المتوسط أصبحت تمثل إحدى أهم الساحات الجيوسياسية في العالم، نظرًا لتقاطع المصالح الأمريكية والروسية والصينية والأوروبية فيها.
وفي هذا السياق لا يمكن فهم التحولات الجارية بمعزل عن التنافس الدولي على النفوذ العالمي. فكل قوة كبرى تسعى إلى تثبيت موطئ قدم دائم داخل هذه المنطقة التي لا تزال تمثل قلب العالم في مجالي الطاقة والتجارة.
كما أن التحولات الديموغرافية بدأت تفرض تأثيرًا متزايدًا على مستقبل الدول. فبعض المجتمعات العربية تشهد نموًا سكانيًا مرتفعًا يقابله ضغط اقتصادي متزايد، بينما تواجه مجتمعات أخرى تحديات تتعلق بالهجرة والعمالة والاختلالات السكانية.
ومن المتوقع أن يصبح العامل الديموغرافي خلال العقود القادمة أحد أهم محددات الاستقرار أو عدم الاستقرار في عدد من الدول العربية.
وعلى المستوى الاقتصادي تبرز فجوة واضحة بين الدول التي نجحت في بناء اقتصادات متنوعة نسبيًا، والدول التي لا تزال تعتمد بصورة شبه كاملة على الموارد التقليدية أو المساعدات الخارجية.
وتشير الخبرة التاريخية إلى أن الدول التي تفشل في تحقيق التحول الاقتصادي غالبًا ما تصبح أكثر عرضة للاضطرابات السياسية والاجتماعية.
أما من الناحية الجيوإستراتيجية فإن منطقة البحر الأحمر تزداد أهمية عامًا بعد عام، ليس فقط بسبب موقعها البحري، بل لأنها أصبحت حلقة مركزية في شبكة التجارة العالمية التي تربط آسيا بأوروبا وإفريقيا.
كما أن الخليج العربي سيبقى أحد أهم المراكز الإستراتيجية الدولية، غير أن أهميته المستقبلية ستتجاوز النفط إلى دوره في الاقتصاد الرقمي والطاقة المتجددة والاستثمارات العالمية.
وفي المقابل فإن شرق المتوسط مرشح لأن يظل ساحة تنافس حاد بسبب تداخل ملفات الطاقة والأمن والحدود البحرية.
ومن الملاحظ أن مفهوم الدولة الوطنية في الشرق الأوسط يواجه تحديات متزايدة نتيجة الضغوط الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية وتنامي تأثير الفاعلين غير الحكوميين.
غير أن الحديث عن انهيار شامل للدول العربية يبقى طرحًا مبالغًا فيه من الناحية العلمية، لأن الدول تمتلك عادة قدرة كبيرة على التكيف وإعادة إنتاج نفسها حتى في ظل الأزمات العميقة.
ومع ذلك فإن بعض الدول قد تشهد خلال العقود المقبلة أشكالًا جديدة من اللامركزية السياسية أو الإدارية أو الاقتصادية، بما يعيد توزيع السلطة داخلها دون أن يؤدي بالضرورة إلى اختفائها.
ومن المرجح أن تتغير طبيعة الحدود الوظيفية أكثر من تغير الحدود الجغرافية ذاتها، بمعنى أن النفوذ الاقتصادي والثقافي والتكنولوجي قد يصبح أكثر تأثيرًا من خطوط الحدود التقليدية.
كما أن المدن الكبرى مرشحة لأن تلعب أدوارًا تتجاوز أدوار بعض الدول الصغيرة، وهو اتجاه عالمي بدأت ملامحه تتضح بصورة متزايدة.
ومن الناحية الحضارية تبدو المنطقة العربية أمام اختبار تاريخي يتعلق بقدرتها على الانتقال من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها، ومن استيراد التكنولوجيا إلى تطويرها.
فالتاريخ يعلمنا أن الأمم التي تمتلك المعرفة تمتلك القدرة على إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية من دون حروب كبرى.
أما الدول التي تعجز عن مواكبة التحولات العلمية فإنها تجد نفسها تدريجيًا خارج دوائر التأثير الدولي.
ومن هنا فإن مستقبل الشرق الأوسط لن تحدده الجيوش وحدها، بل الجامعات ومراكز البحوث وشبكات الابتكار ومؤسسات التخطيط الإستراتيجي.
وعند النظر إلى العقود القادمة يمكن القول إن المنطقة تتجه نحو إعادة ترتيب واسعة لموازين القوة، لكن هذه العملية لن تكون بالضرورة عبر تقسيمات سياسية مباشرة كما يتصور البعض، بل عبر تحولات اقتصادية وديموغرافية وتكنولوجية عميقة تعيد تعريف مفهوم القوة والدولة والسيادة.
وقد نشهد ظهور تكتلات إقليمية جديدة، وتحالفات غير تقليدية، ومراكز نفوذ تتجاوز الاعتبارات الأيديولوجية القديمة التي حكمت المنطقة طوال القرن العشرين.
كما أن بعض النزاعات المزمنة قد تتجه نحو التسويات التدريجية بفعل الإرهاق الإستراتيجي للأطراف المتصارعة، في حين قد تظهر بؤر توتر جديدة مرتبطة بالمياه أو الطاقة أو التكنولوجيا.
إن السؤال الحقيقي ليس: هل ستتغير خريطة الشرق الأوسط؟ بل: ما طبيعة هذا التغيير؟ وهل سيكون تغييرًا في الحدود أم في موازين القوة أم في أنماط النفوذ؟
فالخرائط ليست مجرد خطوط مرسومة على الورق، بل هي انعكاس لحركة التاريخ والقوة والمعرفة والمصالح.
ولهذا فإن المشهد الذي بدأ بصورة دراماتيكية في يونيو 1967م لم ينتهِ بعد، بل ما زال يكتب فصوله بأدوات مختلفة وأشكال أكثر تعقيدًا. وربما يكون التحدي الأكبر أمام الدول العربية اليوم ليس حماية حدودها الجغرافية فحسب، بل حماية قدرتها على البقاء فاعلة في عالم يعاد تشكيله بوتيرة غير مسبوقة.
وهكذا يبقى الشرق الأوسط واقفًا على عتبة مرحلة تاريخية جديدة؛ مرحلة قد لا تشهد نهاية الجغرافيا التقليدية، لكنها بالتأكيد ستشهد إعادة تعريف عميقة لمعنى الدولة والقوة والحدود والنفوذ في القرن الحادي والعشرين.
** **
- أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والتاريخ