د. جمال الراوي
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-: «كثرة الخلطة بالناس تملأ القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسود، فتجلب نقمة، وتدفع نعمة، وتنزل محنة، وتحل رزية، وتوقع بلية.. وإضاعة مصالح المرء والاشتغال عنها بهم وبأمورهم، وتقسم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم».
وقد أجاد ابن القيم -رحمه الله- في هذا الوصف البديع، حتى كأنه لم يتحدث عن الخلطة حديث واعظ فحسب، بل حديث طبيب يعرف كيف تنتقل الأمراض الخفية إلى القلوب. فهو لا يدعو إلى اعتزال الناس اعتزالًا كاملًا، ولا إلى القطيعة معهم، وإنما يحذر من كثرة التماس، والإفراط في المخالطة، والانغماس الطويل في أنفاس البشر، لأن هذه الأنفاس لا تخرج –في كثير من الأحيان– بريئةً نقية، بل تكون محملةً بما في الصدور من دخان.
فللناس أنفاس يزفرونها من صدورهم، لا يراها أحد، ولكن القلوب تشعر بها، والعقول تتلوث منها، والنفوس لا تسلم من أثرها. تسمع أحدهم يصف لك إنسانًا بسوء، لا لأنه يريد النصح، بل لأن في صدره عليه شيئًا من الغيظ، وتسمع آخر يغتاب غيره بنبرة يختلط فيها الحسد بالتحقير، وتسمع ثالثًا يلقي إليك خبرًا، لا ليعلمك، بل ليزرع في قلبك الكراهية نفسها التي تسكنه. وقد يحدثك أحدهم عن شخص أو جماعة، ويلح عليك أن تشاركه رأيه، أو أن تكره من يكره، أو أن تنحاز لمن انحاز إليهم، أو أن تدخل معه في خصومة لا ناقة لك فيها ولا جمل.
وهذه –في حقيقتها– ليست مجرد أحاديث عابرة، بل أنفاس..
وأنت –في كثير من الأحيان– مجبر على استنشاقها.
وما أكثر ما تحمل هذه الأنفاس من أمراض خفية: فيها الحقد، وفيها الغدر، وفيها الشحناء، وفيها التعالي، وفيها السخرية، وفيها الاحتقار، وفيها سوء الظن، وفيها تلك الرغبة الخفية في تلويث نظرتك للناس، حتى لا تبقى سليم الصدر، ولا صافي القلب. ومع مرور الأيام، لا يشعر الإنسان إلا وقد امتلأ قلبه بشيء من هذا الدخان، حتى يصبح –بعد زمن– مثقلًا بما لم يكن فيه من قبل؛ فيضيق بمن كان يرتاح إليهم، ويشك بمن كان يأنس بهم، ويكره من لم يختبرهم بنفسه، بل كرههم لأن غيره نفث في قلبه شيئًا من سواده.
ومن خبرتي بالحياة، وجدت أن من أخطر ما تورثه كثرة الخلطة بالناس، العنصرية المقيتة، تلك التي تسري في المجتمعات كما تسري العدوى، حتى تكاد تصبح أمرًا مألوفًا لا يستنكر. فأهل المدن يسخرون من أهل القرى، وأبناء العواصم يزدرون من يسكنون خارجها، وسكان بعض المحافظات يتهكمون على غيرهم، وكأن اختلاف المكان أصبح مقياسًا للتفوق، أو عنوانًا للرقي والانحطاط.
وقد لا تقف هذه العدوى عند حدود المناطق واللهجات والعادات، بل تمتد إلى الأفكار والطبقات والمهن والمظاهر؛ فتجد من يحتقر صاحب المهنة البسيطة، أو يسخر ممن لم يتح له من التعليم ما أتيح له، أو ينظر باستخفاف إلى من لا يحسن الحديث مثله، أو من لا يجيد ارتداء «القناع الاجتماعي» الذي يتقنه هو. وهكذا تتكاثر صور التلوث في القلب، حتى يصبح الإنسان محملًا بأحكام قاسية على الخلق، لا لأنهم أساؤوا إليه، بل لأنه تشبع بأنفاس من يحبون التصنيف، ويعيشون على توزيع الناس إلى درجات ومراتب، كأنهم وكلوا بتقسيم الخلق.
وقد رأيت –غير مرة– كيف تتحول اللهجة إلى مادة للغمز واللمز، وكيف تصبح طريقة النطق سببًا للسخرية بين أبناء المجتمع الواحد، حتى إن بعض الزيجات قد تتصدع على أسوار هذه الفروقات التافهة، فيجد رجل قادم من قرية أو مدينة أخرى نفسه مادةً للتندر في بيت زوجته، لأنه نطق كلمةً بلهجته، أو عبر عن نفسه بطريقته، فيتعامل معه بعضهم وكأنه أقل شأنًا، أو أدنى مقامًا، أو موضع للضحك والانتقاص.
وهذه –في حقيقتها– ليست فروقًا اجتماعية بريئة، بل أمراض قلبية، تلبس نفسها لباس «التحضر» و»الذوق» و»المدنية»، وهي في جوهرها ليست سوى كبر متخف، وغرور متورم، وجهل مزين. بل إن كثيرًا ممن يظهرون أنفسهم في صورة الأكثر رقيًا، هم –في باطنهم– أشد الناس جاهلية، لأنهم لم يتطهروا من عقدة الاستعلاء على غيرهم.
ولعل أخطر ما في هذه الأنفاس، أنها لا تدخل القلب على هيئة عداوة صريحة، بل تدخل –في كثير من الأحيان– متخفيةً في صورة «نصيحة»، أو «فضفضة»، أو «مصارحة»، أو «حرص عليك»، فتجد أحدهم يحدثك عن شخص ما، ويقول لك: «أنا لا أريد أن أفسد قلبك عليه، ولكن..»، ثم لا يلبث أن يضع في صدرك بذرةً سوداء، تكبر مع الأيام، حتى تصبح حكمًا نهائيًا في إنسان لم تخطئه عينك، ولم تمتحنه بنفسك، ولم تر منه ما يوجب هذا النفور. وهنا تكون النفس قد تلوثت، لا لأنها أرادت الشر، بل لأنها لم تنتبه كيف دخل الشر إليها.
وبسبب هذه السموم الخفية، انكفأ كثير من الناس عن الاختلاط بغيرهم، لا كبرًا منهم، بل اتقاءً للأذى، وخوفًا من السخرية، وحرصًا على ما بقي في نفوسهم من سلام. فصار بعضهم يتهيب المجالس، ويتجنب البيئات الجديدة، ويحجم عن التواصل، لا لأنه لا يحب الناس، بل لأنه ذاق مرارة الاحتقار، أو رأى بعينه كيف تجلد الأرواح أحيانًا بكلمة ساخرة، أو نبرة مستعلية، أو ابتسامة مشوبة بالاستهزاء.
ومع ذلك، لا يعني هذا كله أن يعتزل الإنسان الناس اعتزالًا تامًا، أو أن يغلق قلبه في وجوههم، أو أن ينقلب إلى خصم للمجتمع؛ بل قد يخالطهم وهو مشبع بروح السماحة، واسع الصدر، متجاوزًا عن إساءة المسيء، متغافلًا عن سفه السفيه، غافرًا لتكبر المتكبرين، لا يرد كل سهم بسهم، ولا يقابل كل دخان بدخان. ينظر إلى الناس بعين مشفقة، لا بعين متعالية، ويرى في عيوبهم ما يدعوه إلى تفتيش نفسه، لا إلى ازدرائهم.
فقد يرى فيهم الغرور، فيسأل نفسه: ألست أحمل منه شيئًا؟
وقد يرى فيهم الحسد، فيفتش في صدره: ألا يسكنه شيء منه؟
وقد يسمع منهم الغيبة، فيتذكر كم مرةً اغتاب بلسانه أو بقلبه؟
وهكذا تتحول مخالطة الناس -عند من أحسن استعمالها- إلى مرآة تكشف له نفسه، لا إلى مستنقع يزداد به تلوثًا.
ومع هذا كله، فإن للانصراف عن الناس -حين يكثر دخانهم- راحةً عجيبة، وسلامًا داخليًا لا يقدر بثمن. فما أطيب أن يعود الإنسان إلى بيته، ويغلق عليه بابه، وينصرف إلى حسناته وسيئاته، ويراجع نفسه بدل أن يستهلك عمره في مراقبة الآخرين، أو تصنيفهم، أو الانشغال بأخبارهم، أو حمل ما يقذفونه في صدره من غبار وأسقام.
ومن العجيب أن بعض الناس لا يكتفون بنفث هذا الدخان في المجالس، بل يلحون عليك أن تتنفسه كما يتنفسونه هم؛ فإن لم توافقهم في كراهيتهم، اتهموك بالسذاجة، وإن لم تشاركهم سوء ظنهم، حسبوك غافلًا، وإن أبيت أن تدخل في خصوماتهم، ظنوك ضعيفًا أو جاهلًا بحقائق البشر. وكأن صفاء القلب –في هذا الزمن– أصبح عند كثيرين نقصًا، لا فضيلة، وغفلةً، لا سلامة! مع أن النفس النقية ليست تلك التي لا تعرف الشر، بل التي تعرفه ثم لا تسمح له أن يسكنها.
ولعل من أبلغ ما أشار إليه ابن القيم –رحمه الله– في كلامه، أن كثرة الخلطة لا تفسد القلب فقط، بل تفسد الفكر أيضًا؛ إذ تتغير نظرتك للناس مع كثرة ما تسمع عنهم، لا مع كثرة ما تعرفه منهم بنفسك. فكم من شخص أحببناه لأن أحدًا أثنى عليه أمامنا، ثم ما لبثنا أن كرهناه لأن غيره كشف لنا عيبًا أو نقل إلينا خبرًا! وكم من إنسان وضعناه في خانة الأحباب، ثم نقلناه -بعد مدة- إلى خانة المكروهين، لا لأنه تغير بالضرورة، بل لأن ما قيل لنا عنه تغير.
ولذلك ليس كل انصراف عن الناس كبرًا، ولا كل صمت عنهم جفاءً، ولا كل عزلة مرضًا؛ فقد يكون انصراف الإنسان أحيانًا نوعًا من حفظ القلب، وصيانةً لداخله من التلوث، ومحاولةً للبقاء سليم الصدر وسط عالم يزداد ضجيجًا واختناقًا. فكما يلبس الإنسان الكمامة اتقاءً لمرض الجسد، فإن بعض الأرواح تحتاج -أيضًا- إلى ما يشبه الكمامة، حتى لا تمتلئ من كل نفس عابر، ومن كل شكوى حاقدة، ومن كل رأي مسموم، ومن كل دخان يمر بها ثم يترك فيها سوادًا لا يزول بسهولة.
وهنا تكمن إحدى أعقد مشكلات النفس البشرية: أنها تظن أن أحكامها نابعة منها، بينما هي –في كثير من الأحيان– مجرد صدى لما بثه الآخرون فيها.
ثم تمضي الأيام، وتدور الحياة، وتتفكك العلاقات، وتتغير الصداقات، ويقف الإنسان بعد حين أمام نفسه متحيرًا:
هل كنا مخدوعين بالناس؟
أم كنا مخدوعين بما يقال عنهم؟
هل تغيروا فعلًا؟
أم تغيرت صورهم في داخلنا؟
ومن يدري.. فلعل العيب فينا نحن، لا فيهم، ولعل الشيطان كان يعبث بأحكامنا، ويعمي قلوبنا، حتى صرنا نرى الناس مرةً بعين التقديس، ومرةً بعين الاحتقار، دون أن نمنحهم حق الرؤية الصافية.
وهكذا.. فإن كثرة الخلطة لا تفسد الوقت وحده، ولا تتعب الفكر وحده، بل قد تحول القلب – مع الأيام – إلى غرفة مغلقة، امتلأت بدخان أنفاس الآخرين، حتى لم يعد صاحبها يعرف: أي ما فيه منه.. وأي ما فيه جاءه من الناس.