د. رانيا القرعاوي
المتابع للإعلام الاقتصادي المحلي يلاحظ أنه مع كل طرح جديد لصكوك أو أسهم أو فرص استثمارية، تتجه الأنظار إلى انفوجرافيك يوضح بالأرقام نسب التغطية وحجم الإقبال وقيمة الطرح. ولكن لا تتضح القصة وراء هذه الأرقام، حيث يغيب السؤال إذا ما كان المستثمر الفرد يمتلك ما يكفي من المعرفة لاتخاذ قرار استثماري واعٍ؟
في رسالتي للحصول على الدكتوراه تناولت دور «نظرية التهيئة الإعلامية» إلى التأثير في الطريقة التي يفكر فيها الجمهور، ويقيم القضايا والقرارات. ومن هذا المنطلق، فإن الدور الحقيقي للإعلام الاقتصادي لا يبدأ عند الإعلان عن الطرح، بل قبل ذلك بوقت كافٍ من خلال بناء وعي استثماري يساعد الجمهور على قراءة الفرص والمخاطر معًا.
فالمستثمر الفرد لا يحتاج فقط إلى معرفة حجم العائد المتوقع، بل يحتاج إلى فهم طبيعة النشاط، ومستوى المديونية، وأوجه استخدام الأموال، والمخاطر المحتملة، وقدرة الشركة على النمو والاستدامة. كما يحتاج إلى التمييز بين الشركات التي تجمع الأموال لتمويل توسعات ومشروعات تنموية حقيقية، وبين شركات قد يكون هدفها الأساسي معالجة اختلالات مالية أو تأجيل ضغوط قائمة.
وفي كثير من الأحيان، تتحول بعض التغطيات الإعلامية -من حيث لا تقصد- إلى أدوات ترويج غير مباشرة، عندما تركز على الزخم والإقبال ونسب التغطية، دون أن تقدم للجمهور ما يكفي من المعلومات التي تمكنه من اتخاذ قرار استثماري متوازن. وهنا يفقد الإعلام أحد أهم أدواره المهنية، وهو تمكين الجمهور من الفهم، لا دفعه إلى الاندفاع.
لا أحد يطالب الإعلام بأن يتحول إلى جهة رقابية أو استشارية، فهناك جهات تنظيمية ومؤسسات مالية تؤدي هذه الأدوار. لكن الإعلام يستطيع أن يؤدي وظيفة لا تقل أهمية، وهي رفع مستوى الثقافة الاستثمارية العامة، وتهيئة المستثمر لطرح الأسئلة الصحيحة قبل اتخاذ القرار. كم مرة قرأنا خبرًا عن طرح استثماري دون أن نجد شرحًا مبسطًا لمخاطره؟ وكم مرة تصدرت نسب التغطية العناوين بينما غابت المعلومات التي تساعد المستثمر على فهم الصورة الكاملة؟ وكم من مستثمر دخل فرصة استثمارية لأنه تأثر بزخم التغطية الإعلامية أكثر من تأثره بالبيانات المالية؟ إن الأسواق المالية الصحية لا تبنى فقط على كثرة الطروحات، بل على جودة القرارات الاستثمارية. والمستثمر الواعي هو حجر الأساس في أي سوق مالية ناضجة.
لذلك فإن الإعلام الاقتصادي مطالب اليوم بأكثر من نقل الخبر. إنه مطالب بالمساهمة في بناء مستثمر أكثر معرفة وقدرة على التقييم، فالإعلام السنع لا يقيس نجاحه بعدد الأخبار التي ينشرها عن الطروحات، بل بعدد الأفراد الذين أصبحوا أكثر قدرة على اتخاذ قرارهم بثقة ووعي.