م. بدر بن ناصر الحمدان
المدن الثانوية هي مراكز حضرية -متوسطة وصغيرة- الحجم ضمن تسلسل النظام الحضري، وتؤدي وظائف عمرانية إقليمية ذات ميز نسبية وتنافسية، كما تعمل كحلقة وصل بين المناطق الريفية والمدن الرئيسة بما يدعم التوازن بين التكامل المكاني والتنمية الاقتصادية ، ووفقاً لبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الموئل) لعام 2020 فالتاريخ الحضري العالمي يشير إلى هيمنة المدن الكبرى على المشهد الحضري منذ عقود طويلة، وبالرغم من ذلك فإنّ جزءًا كبيرًا من النمو الحضري يحدث في المدن الثانوية التي يُعدّ فهم دورها أمرًا حيويًا لصياغة استراتيجيات فعّالة للتخطيط الحضري وحوكمة تسيير المدن. في العاصمة السعودية الرياض، برزت تجربة مختلفة في إعادة تعريف المدن الثانوية بوصفها جزءاً من سياق المدينة الكبرى، كان ذلك من خلال استثمار وتطوير ورفع كفاءة وظائفها الحضرية كمعيار للتصنيف، متجاوزةً المعيار الدولي الذي عادةً ما يُعرّفها بالاعتماد على عدد سكانها بما يتراوح عددهم بين 100,000 و500,000 نسمة، هذه التجربة منحت مدناً قد لا يتجاوز نطاق سكانها 10,000 نسمة الفرصة لممارسة دور قيادي على مستوى الإدارة المكانية الإقليمية واستطاعت بالرغم ما يواجهها من تحديات مالية وتنظيمية وفنية أن تقدم تجارب طموحة ومنافسة في حقل الحوكمة البلدية ومستوى الجاذبية الحضرية والأنشطة الموجهة للإنسان.
ولعل أبرز ما يميز هذه التجربة أنها لم تنظر إلى المدن الثانوية بوصفها وحدات عمرانية أقل حجمًا من العاصمة، بل باعتبارها عقدًا حضرية تمتلك مزايا نسبية ووظائف نوعية قادرة على قيادة التنمية في محيطها.
الحديث هنا عن بلديات المحافظات في منطقة الرياض والتي باتت تمثل نموذجًا متقدمًا في توظيف مفهوم المدن الثانوية بوصفها مراكز نمو ضمن منظومة حضرية مترابطة، وتعبيراً عمليا عن جيل جديد من المدن السعودية أكثر حيوية وكفاءة، تركت أثراً ملموساً في تجربة المكان والإنماء إليه.
أعتقد أن المعهد العربي لإنماء المدن - على سبيل المثال - كمؤسسة عالمية رائدة في صنع مستقبل حضري قائم على الابتكار والشراكة سيكون أمام فرصة فريدة لتوجيه حوار المدن إلى هذه التجربة المحلية المستحقة في صناعة القيمة الحضرية المعتمدة على الأثر والتأثير في حياة الناس وليس على حجم السكان.
أنا متأكد أنها سوف تؤسس إلى منهج أكثر قدرة على قيادة المدن الأقل نمواً إلى دور رئيس على مستوى التنمية المكانية ، ما حدث هنا أن عقلية إدارة العاصمة الكبرى بدأت من مدنها الإقليمية وليس من وسط المدينة.