د. جوليا فؤاد السيد هارون
ربما لم يعد هناك شيء يخشاه عالمنا المعاصر أكثر من لحظة الصمت فكل دقيقة فارغة أصبحت هدفا للمحتوى وكل لحظة انتظار تحولت إلى فرصة جديدة للشاشة وبين هذا التدفق المتواصل يختفي شيء كان جزءا أساسيا من تكوين الإنسان وهو الملل.
كان الملل في الماضي مساحة مفتوحة للخيال وبوابة للأسئلة ومقدمة طبيعية للإبداع أما اليوم فقد أصبح شعورا غير مرغوب فيه، نسارع إلى طرده عند أول ظهور له خصوصا في حياة الأطفال.
كان الانتظار جزءا من التربية، ينتظر الطفل موعد الزيارة وينتظر دوره في الحديث وينتظر انتهاء الحصة وينتظر وجبة الغداء وهي تنضج ببطء، وبين كل انتظار وآخر كانت تنمو داخله أشياء لا ترى الصبر والاحتمال والقدرة على تأجيل الرغبات وتلك المساحات الرحبة التي يصنع فيها الخيال عوالمه الخاصة.
أما اليوم، فلم يعد الانتظار مرحبا به ضغطة واحدة تكفي للوصول إلى لعبة جديدة وأخرى لمقطع مختلف وثالثة لعالم كامل من الترفيه المتدفق بلا انقطاع أصبح كل شيء متاحا بالسرعة التي تسبق الرغبة نفسها وكأن الزمن لم يعد شريكا في الحياة بل عقبة يجب تجاوزها.
المشكلة ليست في التقنية ذاتها فالتقنية واحدة من أعظم منجزات الإنسان المعاصر، وقد فتحت آفاقا واسعة للتعلم والمعرفة والتواصل لكن التحدي يبدأ عندما تصبح الشاشة هي الإجابة الجاهزة عن كل لحظة فراغ وعندما يتحول الهروب من الملل إلى عادة يومية لا تترك مجالا للتأمل أو الاكتشاف.
فالطفل الذي اعتاد الحصول على كل شيء فورا قد يجد صعوبة في تقبل التأخير والذي ينتقل بين عشرات المقاطع خلال دقائق معدودة قد يواجه مشقة في التركيز على فكرة واحدة لفترة طويلة أما الذي يعيش وسط تدفق دائم من الإثارة فقد تبدو له الحياة اليومية أقل جاذبية مما تستحق.
ولعل أخطر ما يحدث بصمت أن الأطفال يفقدون تدريجيا قدرتهم على البقاء مع أنفسهم فالملل على خلاف صورته الشائعة ليس عدوا للطفولة إنه مساحة داخلية تتشكل فيها الأسئلة وتنمو فيها الأفكار وتولد منها محاولات الإبداع الأولى كثير من القصص والألعاب والابتكارات الصغيرة بدأت من لحظة لم يكن فيها ما يفعله الطفل سوى أن يترك عقله يتجول بحرية.
لكن حين تمتلئ كل لحظة فارغة بصورة أو إشعار أو مقطع جديد تضيق تلك المساحات شيئا فشيئا ويصبح العقل معتادا على الاستقبال أكثر من الاكتشاف وعلى التلقي أكثر من الخلق.
لهذا لا تبدو مسألة تحديد وقت استخدام الأجهزة قضية تنظيمية فحسب بل قضية تربوية وثقافية تمس جوهر النمو الإنساني فحين نمنح الأطفال وقتا بعيدا عن الشاشات نحن لا نمنع عنهم المتعة بل نمنحهم فرصة نادرة لاستعادة علاقتهم بالعالم الحقيقي وبأفكارهم الخاصة وبذلك الفراغ الخلاق الذي لا يزال ضروريا لنموهم النفسي والذهني. قد لا يكون التحدي الأكبر الذي يواجه أطفال هذا العصر هو نقص المعرفة فالمعرفة أصبحت أقرب إليهم من أي وقت مضى التحدي الحقيقي أن يتعلموا كيف يعيشون خارج التدفق المستمر للمحتوى وكيف يصادقون الوقت بدلا من مطاردته. ففي عالم يتسابق لتقصير كل شيء من المسافة إلى المعلومة إلى لحظة الانتظار نفسها تبقى بعض القيم الإنسانية بحاجة إلى البطء كي تنمو الصبر لا يحمل من تطبيق والخيال لا يشترى بضغطة زر والنضج لا تصنعه الشاشات مهما ازدادت ذكاء.
ولهذا فإن من أجمل ما يمكن أن نهديه لأطفالنا ليس جهازا أحدث ولا محتوى أكثر بل الحق في أن يملوا أحيانا، فالملل ليس فراغا عديم القيمة كما نظن بل مساحة هادئة يعمل فيها العقل بعيدا عن الضجيج.
ربما لا يحتاج أطفال اليوم إلى مزيد من المحتوى بقدر ما يحتاجون إلى فرصة نادرة كي يجلسوا مع أنفسهم دون أن يقاطعهم العالم فكل شيء عظيم بدأ بفكرة وكل فكرة بدأت بلحظة فراغ.