وائل العتيبي - الرياض:
في زمن تتسابق فيه المجتمعات لبناء اقتصادات المعرفة وصناعة الإنسان قبل البنيان، لم يعد نجاح المؤسسات الثقافية يقاس بعدد الكتب على الرفوف، بل بقدرتها على صناعة الأفكار، واكتشاف المواهب، وخلق مساحات حية للحوار والإبداع. ومن هنا جاءت مبادرة بيوت الثقافة بوصفها واحدة من أكثر المشاريع الثقافية السعودية طموحاً، إذ تعيد تعريف مفهوم المكتبة العامة، وتمنحها دوراً جديداً يتجاوز الحفظ والإعارة إلى صناعة الأثر الثقافي والاجتماعي.
فالمكتبة التي كانت في الماضي مكاناً هادئاً للقراءة، أصبحت اليوم منصة مفتوحة للتعلم والابتكار والعمل التطوعي وريادة الأعمال، وفضاءً اجتماعياً يلتقي فيه المثقف والفنان والطالب والباحث والأسرة تحت سقف واحد. وهذا التحول لا يعكس مجرد تطوير للمرافق، بل يمثل تحولاً في فلسفة العمل الثقافي نفسها، حيث تصبح الثقافة جزءاً من الحياة اليومية للناس لا نشاطاً موسمياً أو نخبوياً محدوداً.
مشروع يعيد رسم الخريطة الثقافية
تسعى هيئة المكتبات من خلال مشروع بيوت الثقافة إلى تحويل المكتبات العامة إلى مراكز ثقافية متكاملة تستجيب للتحولات الاجتماعية والمعرفية المتسارعة، وتواكب مستهدفات رؤية المملكة 2030 في بناء مجتمع حيوي واقتصاد قائم على المعرفة والإبداع.
ويقوم المشروع على إعادة تصميم المكتبات وتطوير وظائفها لتصبح حاضنات للمعرفة والإنتاج الثقافي، ومراكز قادرة على استضافة البرامج النوعية والمبادرات المجتمعية والأنشطة الفنية والتعليمية، بما يضمن حضور الثقافة في تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع.
إنه انتقال من مفهوم «المكتبة كمستودع للكتب» إلى مفهوم «البيت الثقافي» بوصفه مساحة مفتوحة لصناعة الأفكار وتنمية القدرات واكتشاف الطاقات الإبداعية.
أرقام تكشف حجم التحول
تكشف نتائج عام 2025 عن حجم الحراك الذي نجحت بيوت الثقافة في صناعته خلال فترة وجيزة. فقد استضافت أكثر من 4 آلاف برنامج ونشاط ثقافي، واستفاد منها أكثر من 250 ألف مشارك، فيما تجاوز عدد الحضور للفعاليات 100 ألف زائر، إلى جانب تنظيم 73 فعالية ثقافية رئيسية وأكثر من 200 معرض.
هذه الأرقام لا تعكس مجرد نشاط تشغيلي، بل تشير إلى اتساع دائرة المشاركة الثقافية في المجتمع، ونجاح بيوت الثقافة في استقطاب جمهور جديد للأنشطة الثقافية، وتقديم محتوى متنوع يلامس اهتمامات مختلف الفئات العمرية والاجتماعية.
من القراءة إلى صناعة التجربة الثقافية
ما يميز بيوت الثقافة أنها لا تكتفي بتقديم المعرفة، بل تعمل على صناعة تجربة ثقافية متكاملة. فإلى جانب قاعات القراءة، تضم هذه البيوت مسارح ومناطق للعائلات والأطفال ومساحات متعددة الاستخدامات وورش عمل ومرافق تدريبية وبيئات تعليمية حديثة، بما يجعلها أقرب إلى مراكز ثقافية مجتمعية شاملة.
وبذلك تتحول الثقافة من نشاط فردي إلى تجربة جماعية تفاعلية تسهم في بناء الروابط الاجتماعية وتعزيز جودة الحياة وترسيخ قيم الحوار والانفتاح والإبداع.
التطوع الثقافي.. رأس المال غير المرئي
ربما تكمن إحدى أهم قصص النجاح في بيوت الثقافة في قدرتها على استقطاب المتطوعين وتحويلهم إلى شركاء حقيقيين في صناعة الأثر.
فخلال عام 2025 شارك 4607 متطوعين ومتطوعات في تنفيذ البرامج والمبادرات الثقافية، مقدمين أكثر من 141 ألف ساعة تطوعية عبر 1312 فرصة تطوعية، فيما بلغ مؤشر الرضا 93.57 %.
أما القيمة الاقتصادية لهذا الجهد فقد تجاوزت 3.1 مليون ريال، وهو رقم يكشف عن حجم العائد الاجتماعي والثقافي الذي يحققه العمل التطوعي عندما يجد البيئة المناسبة للازدهار.
وتؤكد هذه المؤشرات أن بيوت الثقافة لم تنجح فقط في جذب الجمهور، بل نجحت أيضاً في بناء مجتمع ثقافي فاعل يشارك في الإنتاج الثقافي بدلاً من الاكتفاء باستهلاكه.
الاستثمار في الثقافة.. رهان المستقبل
في التجارب العالمية الحديثة لم تعد المؤسسات الثقافية تعتمد على التمويل التقليدي وحده، بل أصبحت تبحث عن نماذج تحقق الاستدامة وتوسع أثرها المجتمعي.
ومن هذا المنطلق تتبنى هيئة المكتبات رؤية استثمارية تهدف إلى تعظيم الاستفادة من الأصول والمرافق التابعة لها، وتطوير شراكات مع القطاع الخاص عبر نماذج تشغيل واستثمار حديثة.
ولا ينظر إلى هذا الاستثمار باعتباره مورداً مالياً فحسب، بل باعتباره أداة لتوسيع الحضور الثقافي ورفع جودة الخدمات وتحويل الثقافة إلى قطاع اقتصادي منتج يسهم في التنمية الوطنية ويولد فرصاً جديدة للنمو.
حاضنة للابتكار والاقتصاد الإبداعي
أحد أكثر الجوانب أهمية في تجربة بيوت الثقافة يتمثل في دورها المتنامي في دعم الابتكار وريادة الأعمال الثقافية.
فخلال عام 2025 استفاد أكثر من 1500 مشارك من البرامج التدريبية وورش العمل والمبادرات المتخصصة التي استهدفت تطوير المشاريع الثقافية والإبداعية، وربط المبدعين بالمستثمرين، وتحويل الأفكار إلى نماذج قابلة للنمو والاستدامة.
ويعكس هذا التوجه فهماً متقدماً لدور الثقافة بوصفها قطاعاً اقتصادياً واعداً، لا مجرد نشاط معرفي أو ترفيهي، وهو ما يتوافق مع التحولات العالمية نحو الاقتصاد الإبداعي والصناعات الثقافية.
أكثر من مبانٍ.. صناعة مستقبل
عندما نتأمل تجربة بيوت الثقافة بعيداً عن لغة الأرقام، نجد أننا أمام مشروع يعمل على بناء رأس مال ثقافي طويل الأمد للمملكة.
فكل برنامج ثقافي يعني فرصة جديدة للمعرفة، وكل متطوع يمثل طاقة مجتمعية فاعلة، وكل طفل يدخل بيتاً للثقافة قد يكون مبدعاً أو كاتباً أو باحثاً في المستقبل.
لهذا تبدو بيوت الثقافة اليوم أكثر من مجرد مكتبات مطورة؛ إنها استثمار في الإنسان، ومختبر للأفكار، ومنصة لصناعة الوعي، وأحد النماذج الثقافية التي تجسد التحول الذي تعيشه المملكة نحو مجتمع أكثر معرفة وإبداعاً وتفاعلاً مع الثقافة بوصفها أسلوب حياة ومكوناً أساسياً من مكونات التنمية الوطنية الشاملة.