مبارك بن عوض الدوسري
في الوقت الذي يحتفل فيه العالم في الخامس من يونيو من كل عام باليوم العالمي للبيئة، الذي يقوده برنامج الأمم المتحدة للبيئة بوصفه أكبر منصة عالمية للتوعية البيئية وتحفيز العمل من أجل حماية كوكب الأرض، تبرز جمعية الكشافة العربية السعودية كواحدة من المؤسسات الوطنية الرائدة التي جعلت من المحافظة على البيئة ثقافة راسخة وممارسة عملية مستدامة، انطلاقاً من رسالتها التربوية ودورها المجتمعي الممتد لعقود طويلة في بناء أجيال واعية بمسؤولياتها تجاه الإنسان والطبيعة.
ويأتي الاحتفاء باليوم العالمي للبيئة هذا العام ليؤكد أهمية تكاتف الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية المتزايدة، وفي مقدمتها التلوث وتغير المناخ والتصحر وفقدان التنوع الحيوي، وهي قضايا لم تكن بعيدة عن اهتمامات الحركة الكشفية السعودية التي آمنت مبكراً بأن حماية البيئة ليست مسؤولية جهة بعينها، بل واجب وطني وإنساني يتطلب مشاركة الجميع، خاصة فئة الشباب الذين يمثلون القوة الحقيقية لصناعة التغيير الإيجابي.
ومنذ تأسيسها، حرصت جمعية الكشافة العربية السعودية على أن تكون البيئة جزءاً أصيلاً من برامجها ومناهجها التربوية، حيث يشكل مجال التربية الاجتماعية والبيئية أحد أهم مرتكزات العمل الكشفي، فيما تمثل حياة الخلاء مدرسة عملية لغرس قيم المحافظة على الموارد الطبيعية واحترام عناصر البيئة والعيش بانسجام معها؛ ولهذا لم تكن الأنشطة البيئية في الكشافة السعودية موسمية أو مرتبطة بمناسبات محددة، بل أصبحت سلوكاً يومياً ونهجاً متكاملاً يرافق الفتية والشباب في مختلف مراحلهم الكشفية.وخلال العقود الماضية، نفذ الفتية والشباب آلاف المبادرات والبرامج التطوعية التي استهدفت حماية البيئة وتنمية الغطاء النباتي والمحافظة على المتنزهات والمرافق العامة ونشر ثقافة النظافة وإعادة التدوير وترشيد استهلاك المياه والطاقة، كما شاركوا بفاعلية في المناسبات البيئية المحلية والعالمية، وأسهموا في تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الاستدامة البيئية من خلال الحملات التوعوية والبرامج الميدانية التي وصلت إلى مختلف شرائح المجتمع.ويُعد المشروع الكشفي الوطني لنظافة البيئة وحمايتها، الذي أطلقته الجمعية عام 1430هـ، أحد أبرز النماذج الوطنية الرائدة في العمل البيئي التطوعي، حيث حقق نجاحات لافتة ونال اهتماماً وتقديراً على المستويين العربي والعالمي، وأصبح تجربة سعودية مميزة تم عرضها في المحافل الكشفية الدولية بوصفها نموذجاً عملياً لتوظيف طاقات الفتية والشباب في خدمة البيئة وحمايتها.
كما عززت الجمعية جهودها البيئية من خلال بناء الشراكات مع الجهات المختصة، وفي مقدمتها وزارة البيئة والمياه والزراعة، بما يسهم في توحيد الجهود وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 في مجالات الاستدامة البيئية، إضافة إلى تنظيم المؤتمرات والملتقيات المتخصصة التي أتاحت تبادل الخبرات والتجارب العالمية في مجال حماية البيئة، ومن أبرزها المؤتمر العالمي «الكشفية وحماية البيئة» الذي استضافته المملكة ليؤكد مكانتها الرائدة في دعم المبادرات البيئية الدولية.
ومع إطلاق مبادرة السعودية الخضراء وما صاحبها من مشروعات طموحة لتعزيز الاستدامة ومواجهة التغير المناخي، كانت الكشافة السعودية حاضرة ببرامجها ومبادراتها التطوعية، حيث أسهمت في أعمال التشجير والتوعية البيئية ونشر ثقافة الحياد الكربوني بين الشباب، تأكيداً على انسجام رسالتها التربوية مع التوجهات الوطنية الهادفة إلى بناء مستقبل أكثر استدامة للأجيال القادمة.إن الاحتفال باليوم العالمي للبيئة لا يقتصر على استذكار التحديات البيئية أو استعراض الإنجازات، بل يمثل دعوة متجددة للعمل والمبادرة وتحمل المسؤولية، وهي قيم جسدتها الكشافة السعودية على أرض الواقع من خلال آلاف الفتية والشباب والقادة الذين جعلوا من خدمة البيئة رسالة دائمة وسلوكاً حضارياً يعكس وعي المواطن السعودي وحرصه على المحافظة على مقدرات وطنه؛ وبينما يواصل العالم جهوده لحماية كوكب الأرض، تواصل الكشافة السعودية أداء دورها التربوي والوطني في إعداد جيل يؤمن بأن البيئة ليست إرثاً نتوارثه من الآباء فحسب، بل أمانة نحفظها للأبناء والأحفاد، وأن بناء الإنسان الواعي بيئياً هو الخطوة الأولى نحو بناء مستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة.