د. طلال الحربي
لم تكن الأرقام التي أعلنتها وزارة البلديات والإسكان في ختام موسم حج عام 1447هـ مجرد بيانات إحصائية تُنشر في التقارير الرسمية وتُطوى، بل كانت تعبيراً عميقاً عن فلسفة حوكمة راسخة، وترجمةً عملية لنهج قيادي يرى في خدمة ضيوف الرحمن رسالةً سيادية قبل أن تكون واجباً تشغيلياً. فالمملكة العربية السعودية، منذ أن أُسِّست على يد مؤسسها وحملت راية خدمة الحرمين الشريفين، آثرت أن تكون إدارة الحج معياراً وطنياً يتجاوز حدود الأداء المؤسسي إلى آفاق المسؤولية الحضارية.
ومن يتأمل حجم المنظومة التشغيلية التي سخَّرتها وزارة البلديات والإسكان هذا الموسم يدرك أن ما جرى كان أشبه بمدينة متحركة منظّمة داخل مدينة مقدسة؛ إذ حشدت الوزارة أكثر من اثنين وعشرين ألف كادر بشري، وأكثر من ثلاثة آلاف معدة وآلية، وشبكة متكاملة من ثمانية وعشرين مركزاً للخدمات البلدية، موزعة بين منى وعرفات ومزدلفة، لتكون على تماس مباشر مع حاجات الحجاج وإيقاع الموسم المتسارع. وقد بلغت كميات النفايات المرفوعة في مكة المكرمة منذ النصف الثاني من ذي القعدة أكثر من مئتين وخمسين ألف طن، بمتوسط يومي تجاوز ستة آلاف طن في أيام الذروة، فضلاً عن رفع أكثر من ستة عشر ألف طن إضافية من مخلفات المشاعر المقدسة، في مشهد يكشف عن أعباء ضخمة تحمّلتها الوزارة بصمت احترافي وكفاءة ميدانية نادرة.
ولا يقل الجانب الرقابي دلالةً عن غيره من جوانب العمل الميداني؛ فقد نفّذت أمانة العاصمة المقدسة ما يزيد على ثمانية وثلاثين ألف جولة رقابية شملت المطاعم والمطابخ والمنشآت الغذائية ومحلات التموين ومرافق الخدمات، وذلك بمشاركة أكثر من ستمئة وخمسين مراقباً ميدانياً متخصصاً، في حين خضع ما يتجاوز خمسة آلاف عينة غذائية للفحص المخبري عبر مختبرات ثابتة ومتنقلة. والنتيجة كانت من أبلغ ما يمكن تسجيله: فلم تُسجَّل طوال الموسم حالة تسمم غذائي واحدة، وهو إنجاز يستحق أن يُقرأ في سياقه الصحيح، لا باعتباره غياباً لحادثة، بل باعتباره ثمرة منظومة وقاية صحية استباقية بالغة الدقة والانضباط. وعلى المستوى البشري الإنساني، أسهم ما يزيد على أحد وعشرين ألف متطوع ومتطوعة في دعم الفرق الميدانية وتقديم خدمات الإرشاد والتفويج وتوزيع المياه والمظلات، في تجسيد حقيقي لما تسعى إليه رؤية 2030 من بناء مجتمع فاعل منخرط في خدمة القضايا الوطنية والإنسانية الكبرى. وهنا تحديداً تتجلَّى إضافة نوعية في الأداء المؤسسي، إذ لم تعد الوزارة تعمل بعقلية الجهاز الحكومي المغلق، بل باتت تستثمر الطاقة الشبابية الوطنية مكوّناً إستراتيجياً في منظومتها الخدمية.
ولا يمكن فهم هذا الأداء المؤسسي المتقدم معزولاً عن السياق القيادي الذي أنتجه؛ فالتوجيهات الملكية السامية والاهتمام الشخصي لسيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- بملف خدمة ضيوف الرحمن، يُمثِّلان المرجعية العليا التي تستقي منها مؤسسات الدولة رؤيتها وتحدد على ضوئها أولوياتها. وقد ترجم معالي وزير البلديات والإسكان الأستاذ ماجد بن عبدالله الحقيل هذه التوجيهات إلى منظومة عمل ميدانية متابَعة بشخصه مع معاليه ومعالي نوابه وسعادة وكلائه، حرصاً على ألا تبقى الخطط التشغيلية حبيسة الأوراق، بل تتحول إلى واقع ملموس والتزام وأثر ملموس.
ومن منظور المختص في الشأن العمراني والخدمات البلدية، يمكن القول إن ما نجحت فيه المملكة موسماً بعد موسم هو تطوير نموذج تشغيلي للمدن الكبرى المؤقتة لا نظير له في العالم؛ فمكة المكرمة والمشاعر المقدسة تمثِّل في أيام الحج أحد أعقد التجمعات البشرية على وجه الأرض، حيث تتوالد الاحتياجات وتتشعب المتطلبات وتتصاعد الضغوط في وقت واحد. والقدرة على إدارة هذا المشهد بهذا المستوى من الانضباط والكفاءة تكشف أن المملكة لم تتعامل مع ملف الحج باعتباره حدثاً موسمياً، بل صاغته بوصفه مشروعاً حضارياً تتراكم فيه الخبرات وترتقي به المعايير عاماً بعد عام.