الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أمَّا بعد:
ورد في الذِّكر الحكيم في فضل نبيِّ الله إسماعيل عليه السلام: قوله تعالى في سورة مريم: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا) [مريم: 54، 55].
وقوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 127، 128].
وقوله تعالى أيضًا في فضله: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ) [ص: 45 - 48]، وغير ذلك من الآيات.
وفي كلِّ فترةٍ من الزَّمان تظهر مقولة أنَّ العرب تنقسم إلى عاربةٍ ومستعربةٍ، وأنَّ العاربة هم قبائل قحطان، والمستعربة هم قبائل عدنان الَّتي يعود نسبها إلى إسماعيل عليه السلام. ويُقصد بهذه المقولة الانتقاص منه عليه السلام وذرِّيَّته، ووصفهم بأنَّهم ليسوا عربًا، والَّذي يدعم هذه المقولة وينشرها في كثيرٍ من الأحيان هم من أعداء الإسلام؛ حيث إنَّ نبيَّنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم من ذرِّيَّة إسماعيل، وغرض أعداء الإسلام من خلال هذا الادِّعاء القول بأنَّ نسبه صلى الله عليه وسلم غير عربيٍّ، محاولين بادِّعائهم هذا النَّيل من قدره ومكانته؛ وإن أيَّد هذا التَّقسيم بعض أهل العلم والمفكِّرين مستندين على بعض المسائل لبعض السَّلف!.
ولست هنا في معرِض الرَّدِّ على هذه المقولة فقد كُتب عنها عدَّة أبحاثٍ سابقًا، وملخَّص هذه الأبحاث والنَّتائج الَّتي تمَّ التَّوصُّل إليها أنَّه لم يرد في القرآن ولا في السُّنَّة ما يشير إلى هذا التَّقسيم، وأنَّ الحديث الصَّحيح الوارد عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الَّذي نصُّه: مَرَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على نَفَرٍ مِن أسلَمَ يَنتَضِلونَ، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: “ارمُوا بَني إسماعيلَ؛ فإنَّ أباكُم كَانَ راميًا ارمُوا، وأنا مع بَني فُلانٍ”، قال: فأمسَكَ أحَدُ الفَريقَينِ بأيديهم، فقال رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “ما لَكُم لا تَرمونَ؟” قالوا: كيفَ نَرمي وأنتَ معهُم؟ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: “ارموا فأنا معكُم كُلِّكُم”(1) يعدُّ أقوى دليلٍ يُردُّ به على تقسيم العرب إلى عاربةٍ ومستعربةٍ، وأنَّ قحطان وعدنان يرجع نسبهم إلى إسماعيل عليه السلام، بالإضافة إلى أنَّه لم يرد عن كبار الصَّحابة؛ مثل: أبي بكر رضي الله عنه الَّذي اُشتهر بأنَّه عالمٌ في أنساب العرب، هذا التَّقسيم المذكور.
ولقد اطَّلعت على ما ذكره الأستاذ: سلطان الشدادي -وفَّقه الله- في مقالته بصحيفة “الجزيرة” في عددها الصَّادر برقم 19269 في تاريخ 5 ذوالحجة 1447هـ، بعنوان “تحرير القول في أثر ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه في العرب العاربة” بيَّن فيه أنَّ أثر ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه عن تقسيم العرب صحيحٌ، وأنَّ الاعتراض عليه لا ينهض لإسقاطه.
فأقول وبالله التوفيق: جاء في كتاب “الإنباه على قبائل الرُّواة”(2) لابن عبد البرِّ: “قَالَ أَبُو عمر: هَكَذَا قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ فِي الْعَرَب العاربة، وَرَأَيْت بِخَطِّ أبي جَعْفَر الْعقيلِيّ، قَالَ: نَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدَّثنَا سَلام بن مِسْكين، قَالَ: نَا عون بن ربيعَة، عَن يزِيد الْفَارِسِي، عَن ابْن عَبَّاس رضي الله عنه، قَالَ: الْعَرَب العاربة قحطان بن الهميسع والامداد والسَّالفات وحضرموت. وَهَذَا حَدِيثٌ حسن الْإِسْنَاد، وَهُوَ أَعلَى مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب، وَأولى بِالصَّوَابِ وَالله أعلم”، وذكر الكاتب بأنَّ هذا الإسناد حسنٌ بناء على تعليق ابن عبد البرِّ على هذا الأثر، ووقوفه أيضًا على عدَّة طرقٍ تقوِّيه!.
* أمَّا من النَّاحية الحديثيَّة لهذا الأثر، فرواة الإسناد هم:
ابْن الْكَلْبِيّ: هشام بْن مُحَمَّد بْن السَّائب بْن بشر أَبُو المنذر الكلبي، صاحب النسب.
قال عبدالله بن أحمد بن حنبل سمعتُ أبي يَقُولُ: هشام بْن مُحَمَّد بْن السائب الكلبي من يحدث عَنْهُ؟ (3) إنّما هُوَ صاحب نسب وسمر، ما ظننت أنَّ أحدًا يُحدِّث عَنْهُ.
وقال الدَّارقطنيُّ وغيره: متروك.
وقال ابن عساكر: رافضيٌّ، ليس بثقة (4).
وقال عنه ابن عديٍّ في “الكامل”: “وهذا كما قَالَ أَحْمَد: هِشَام بْن الكلبي الغالب عَلَيْهِ الأخبار والأسمار والنسبة، ولاَ أعرف لَهُ شيئا من المسند” فليس من رواة الحديث، وهو كما ذكر متروك وليس بثقة.
أبو جَعْفَر الْعقيلِيّ: الحافظ الإمام أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حمَّاد العقيلي، صاحب كتاب “الضعفاء الكبير”.
قال مسلمة بن القاسم: كان العقيلي جليل القدر عظيم الخطر ما رأيت مثله وكان كثير التصانيف.
وقال الحافظ أبو الحسن بن سهل القطَّان: أبو جعفر ثقة جليل القدر عالم بالحديث مقدم في الحفظ (5).
مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل: محمد بن إسماعيل بن سالم أبو جعفر الصَّائغ، سكن مكَّة، وحدَّث بها.
قَالَ عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت منه بمكَّة وهو صدوق.
(تنبيه): ذكر الكاتب أنَّ محمَّد بن إسماعيل ربَّما يكون البخاريَّ، وقد تبيَّن أنَّ كلامه هذا غير صحيحٍ وذلك بعد الوقوف على ترجمة أبي جعفر العقيلي ومعرفة شيوخه الَّذين روى عنهم.
سَلام بن مِسْكين: سلام بن مسكين بن ربيعة الأزدي النمري البصري، من كبار أتباع التَّابعين.
قال ابن حجر: ثقة رمي بالقدر (6).
وقال الذَّهبي: قال أحمد: ثقة كثير الحديث (7).
عون بن ربيعَة: لم أقف له على ترجمةٍ، ولم يوثَّق ولم يجرح، فهو مجهول العين، حيث لم يرو عنه إلَّا سلام بن مسكين.
يزِيد الْفَارِسِي: حكم عليه ابن حجر في “تقريب التَّهذيب” بأنَّه مقبول (8).
ابْن عَبَّاس: عبد الله بن عبَّاسٍ رضي الله عنه، الصَّحابيُّ الجليل.
فمن خلال دراسة هذا الإسناد تبيَّن أنَّ فيه: راوٍ متروك وهو ابن الكلبي.
ومحمَّد بن إسماعيل الصَّائغ وهو صدوق.
وعون بن ربيعة مجهول العين.
ويزيد الفارسي مقبول.
فالحكم عليه بأنَّه شديد الضَّعف ولا يمكن أن ينجبر بأيِّ حال، وأمَّا حكم الإمام ابن عبد البرِّ على هذا الإسناد بأنَّه حسن، فقد ذكر أهل العلم بأنَّ ابن عبد البرِّ لديه بعض التَّساهل في تعديل الرُّواة.
قال ابن الصَّلاح في “مقدمته”(9): “وتوسَّع ابن عبد البرِّ الحافظ في هذا فقال: كلُّ حامل علمٍ معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدًا على العدالة، حتَّى يتبيَّن جرحه لقوله صلى الله عليه وسلم: “يحمل هذا العلم من كلِّ خلفٍ عدوله”. وفيما قاله اتِّساع غير مرضيٍّ”.
وأمَّا ما ذكره الكاتب بأنَّ له طرقًا أخرى تقوِّيه كما في كتاب “الطَّبقات” لابن خليفة (10)، وكتاب “الآحاد والمثاني” لابن أبي عاصم (11): فغير صحيحٍ؛ لأنَّ هذه الطُّرق مدارها على عون بن ربيعة الثَّقفيِّ كما في الإسناد الأوَّل عند ابن عبد البرِّ، وهو كما ذكرنا: مجهول العين، وقد اتَّفق الجمهور على ردِّ رواية مجهول العين وأنَّ ضعفه كبيرٌ غير محتملٍ.
وبهذه النَّتيجة وبناء على ما تقدَّم، نقول:
إنَّ الأثر عن ابن عبَّاسٍ، والقول: بتقسيم العرب، غير صحيحٍ ولا يسلَّم له، وعليه يتوجَّب على كلِّ إنسانٍ تحرِّي الدِّقَّة في تلقِّي الأقوال والأخبار الَّتي قد تسيء للدِّين، أو الأنبياء عليهم السلام، أو الصَّحابة رضوان الله عليهم، وإسناد كلِّ علمٍ إلى أهله؛ حتَّى لا نقع في الخطأ، ونتسبَّب لأنفسنا بالإثم.
وفَّق الله الجميع إلى ما يحبُّ ويرضى.
* * *
الهوامش:
(1) “صحيح البخاري” (2899).
(2) صفحة (25).
(3) “تاريخ بغداد” (16 - 68).
(4) “ميزان الاعتدال” (4 - 304).
(5) “تذكرة الحفَّاظ” للذَّهبي (2 - 37).
(6) “تقريب التَّهذيب” (1 - 261).
(7) “سير أعلام النُّبلاء” (7 - 415).
(8) (1 - 606).
(9) (ص115).
(10) (1 - 67).
(11) (5 - 84).
** **
- د. نايف بن ناصر المنصور