صالح الشادي
الشرق الأوسط ليس مجرد بقعة جغرافية، بل مسرح للصراع الأطول والأكثر تعقيداً في التاريخ الحديث. هنا تتداخل المصالح وتتصارع الأجندات، حيث كل دولة تلعب دورها المحسوب في لعبة إقليمية لا تعترف بالصداقات الدائمة، بل بالمصالح المتغيرة. لفهم ما يجري، لا بد من تفكيك أهداف الأطراف الرئيسية وطبيعة الأنظمة، بدءاً من الولايات المتحدة التي تمثل القوة الخارجية الأكثر نفوذاً في المنطقة، رغم تراجع نفوذها نسبياً منذ عقدين. أهداف أمريكا الاستراتيجية تتمثل في ضمان تدفق النفط، وحماية إسرائيل، ومواجهة النفوذ الصيني والروسي، ومكافحة الإرهاب، لكن الأهم هو الحفاظ على «النظام الأمريكي» في المنطقة، حيث تبقى الدول ضمن دائرة الحماية ولا تسمح لأي قوة إقليمية بالهيمنة.
مع تغير مشهد الطاقة الأمريكي، تراجعت أولوية النفط تدريجياً لصالح التوازن الاستراتيجي مع الصين. أما أوروبا فليست لاعباً موحداً؛ فبريطانيا وفرنسا لهما تاريخ استعماري، بينما ألمانيا وإيطاليا تركزان على المصالح الاقتصادية. أهداف أوروبا الرئيسية تشمل تأمين الطاقة، وإدارة الهجرة، والاستقرار القريب، وحماية إسرائيل تاريخياً، لكن الفارق الجوهري أن أوروبا تفضل التسويات الدبلوماسية بينما تميل أمريكا للقوة الصلبة، وهو خلاف ظهر جلياً في التعامل مع الملف النووي الإيراني.
أما إسرائيل فتريد الأمن والاعتراف، لكن موقعها يمنحها أهدافاً خاصة تشمل منع أي قدرة نووية إيرانية، وإضعاف ما يسمى محور المقاومة المتمثل في حزب الله وحماس والميليشيات الموالية لإيران، وتحقيق الاندماج الإقليمي عبر اتفاقات أبراهام. سياستها تقوم على الردع والتفوق التكنولوجي والاستخباراتي، وهي ترى في إيران تهديداً وجودياً ليس فقط نووياً بل من خلال الحروب بالوكالة على حدودها.
من جهتها، تمثل إيران حالة مختلفة بتعقيد نظامها القائم على «ولاية الفقيه»، وهو مزيج من الجمهورية الدينية حيث السلطة الحقيقية ليست للرئيس بل للمرشد الأعلى. هذا النظام يقوم على ثلاث ركائز أساسية: العقيدة الشيعية السياسية التي تجعل من «ولاية الفقيه» شرعية دينية تحوله إلى نظام طائفي بامتياز، وفكرة الثورة الدائمة التي تبرر تصدير الثورة ودعم الحركات المسلحة، وأخيراً المواجهة مع الغرب حيث تمثل معاداة أمريكا وإسرائيل جزءاً من هوية النظام وشرعيته. إنه نظام طائفي لأن شرعيته تستند إلى المذهب الشيعي الإثني عشري، حيث لا تمثل الدولة كل الإيرانيين كما هو معلوم بل فئة محددة من رجال الدين الشيعة بينما تهمش الأقليات مثل السنة والأكراد والعرب والبهائيون. وفي الخارج، إيران لا تدعم «المقاومة» كفكرة وطنية، بل تدعم الميليشيات الشيعية تحديداً كحزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق والحوثيين في اليمن كما هو معلوم للجميع.
تقوم السياسة الخارجية الإيرانية على نظرية «المحيط الاستراتيجي»، فبدلاً من مواجهة أمريكا مباشرة وهي أقوى بكثير، تبني إيران شبكة من الوكلاء حول حدودها وحول إسرائيل لتحقيق الردع غير المباشر وللضغط على إسرائيل من لبنان وسوريا وغزة، وتعزيز النفوذ في العراق وسوريا لربط طهران ببيروت عبر «الهلال الشيعي»، وللتفاوض من موقع قوة فكلما زادت قدرة إيران على خلق التوتر زادت قيمتها التفاوضية. ما يسمى مصلحة النظام الطائفي هي استمرار النظام نفسه، لأن أي نظام يستمد شرعيته من تصدير الصراع والمواجهة؛ فإذا تحقق السلام مع الغرب وطبعت إسرائيل مع العرب مثلاً، ستفقد إيران ورقة الضغط وسينكشف قمعها الداخلي وفسادها الاقتصادي. لذا فإن مصلحة النظام هي استمرار حالة التوتر وليس حلها.
ما يجري حالياً في المنطقة هو مرحلة تحول جذري، حيث نشهد تبريداً لبعض الصراعات القائمة بوساطات دولية. في الوقت نفسه، تحاول إسرائيل استكمال التطبيع مع الخليج رغم الحرب على غزة، حيث تقدم إسرائيل التكنولوجيا والأمن مقابل الاعتراف والشرعية والاقتصاد. كما نرى تراجعاً نسبيا في الوجود الأمريكي فلم تعد أمريكا « كما كانت وتركيزها تحول نحو الصين وروسيا وأوكرانيا، مما خلق نوعاً من الفراغ تحاول أن تملؤه الصين تدريجياً اقتصادياً وروسيا عسكرياً.. طبعا عبر الوكلاء. أما غزة فتشهد حرباً أبدية، فالحرب الإسرائيلية على حماس تعيد تشكيل المنطقة: حماس تخسر عسكرياً لكنها تحاول أن تحقق مكاسب سياسية بعرقلة التطبيع وتعزيز ما يسمى المقاومة الشعبية، وإيران تراقب.. وأخيراً تبرز الصين كوافد جديد لا يريد قواعد عسكرية بل مبادرة الحزام، والطريق من بنية تحتية وطاقة وتكنولوجيا، وهي أكبر مستورد للنفط من الخليج ولا تدخل في صراعات مباشرة بل تتعامل مع الجميع بتوازن، مما يجعلها الوسيط المثالي لأي خلافات قد تحدث.
أما القادم، فلا أحد يملك كرة بلور لمعرفته. لكن بعض الاتجاهات واضحة: العالم يتجه نحو تعدد الأقطاب حيث لن تكون أمريكا القوة المهيمنة وحدها، بل سيكون هناك توازن بين أمريكا والصين وروسيا وربما الهند والاتحاد الأوروبي، وسيستفيد الخليج من هذا التنافس لكنه قد يعاني من عدم الاستقرار أيضاً. فالنظام الإيراني لازال نشطاً رغم العقوبات التي لم تفلح في إنهاكه، وسيظل حريصاً على أن يطور قدراته الصاروخية والنووية ويدعم وكلاءه، لكن الضغوط الاقتصادية الداخلية قد تخلق احتجاجات شعبية لا يمكن السيطرة عليها. وربما سنشهد اتجاهاً نحو توسيع دائرة التطبيع الإسرائيلي العربي إذا حدث حل للقضية الفلسطينية بإقامة دولة للفلسطينيين، حيث سيتعامل العالم العربي الرسمي مع إسرائيل كواقع. كما ستتغير طبيعة الصراعات نحو الحروب الإلكترونية والحروب بالوكالة وخلق الأزمات الاقتصادية بدلاً من الحروب التقليدية بين الدول. هناك معضلات سكانية في بعض الدول العربية منها البطالة وقلة الموارد والتحزبات. والأخطر هو أزمة المياه، ذلك التهديد الأكبر الذي لا يتحدث عنه أحد، فالشرق الأوسط قد يجف والأنهار كدجلة والفرات والأردن والنيل مهددة، والحروب القادمة قد تكون على المياه.
بكل الأحوال، الشرق الأوسط ليس ساحة صراع بين الخير والشر، بل بين مصالح متضاربة. أمريكا تريد الاستقرار الذي يحفظ نفوذها، وأوروبا تريد الهدوء الذي يمنع تدفق اللاجئين ويمدها باحتياجاتها، وإسرائيل تريد الأمن مهما كان الثمن، وإيران تريد بقاء نظامها بكل الوسائل، والخليج يريد التنمية والاستقرار. ما يجري هو إعادة توزيع للقوة: أمريكا تتراجع نسبياً، والصين تصعد، وروسيا تحاول العودة، وإيران تجتهد على أن ترسخ نفوذها. النظام الطائفي في إيران هو خيارها لاستراتيجيتها الحالية لأنه يوفر شرعية دينية عاطفية ومرونة أيديولوجية في مواجهة الغرب، لكنه يعاني داخلياً من احتقان رهيب.
القادم وفق ما نقرأ وما نشاهد ليس حرباً عالمية ثالثة بل مزيداً من عدم الاستقرار الممنهج، وحروباً بالوكالة، وأزمات إنسانية تتفاقم، والأكيد أن اللعبة مستمرة والدول ستتحالف وتتخلى عن الحلفاء حسب المصلحة اللحظية.
أنا لست متشائماً.. ولكن هذا ما أراه وأما الغيب فهو بيد الله.